لما أتم عمرو بن العاص فتح مصر سنة 20هـ )641م) ، وأجلى الروم عن الاسكندرية ، آخر معقل لهم بمصر ، وانقشع كل أمل لهم فى مزاحمة العرب على امتلاكها ، عندئذ انصرف القائد العربى الى تنظيم البلاد تنظيما يتفق ومقتضيات العهد الجديد ، الذى تستقبله البلاد ، ألا وهو العهد الاسلامى المبارك . فكان فى مقدمة ماعنى به من الأمور تخير مكان يرابط فيه جيشه ، وليكون مقرا لحكم البلاد ، بعد أن نهاه الخليفة عمر بن الخطاب عن المقام بالاسكندرية ، حاضرة الروم فى مصر
والواقع أن الاسكندرية وان اتفقت مع حكم الروم لمصر ، فلم تكن لتتفق بحال من الأحوال مع حكم العرب : فوقوعها فى أقصى شمال مصر ، جعلها أقرب الى روما أو بيزنطة (القسطنطينية) من أى بلد مصرى آخر . ولكنها أبعد من أى بلد من البلاد االمصرية ، بالنسبة الى المدينة المنورة ، قصبة الدولة العربية ، التى صارت مصر لها تبعا . يضاف الى ذلك أنها فى موضع يشق على الجنوب العربية أن تشخص منه الى أطراف القطر ، اذا مادعا سريع . كذلك الأمر بالنسبة للوالى ، فانه يصعب عليه أن يشمل جميعها بعين ساهرة ، من مكان قصى كالاسكندرية جال عمرو ببصره فى أنحاء البلاد ، فوقع اختياره على السهل الذى يلى بابليون الحصن الرومانى الشهير ، من ناحية الشمال ، والذى يحده جبل المقطم من شرقيه ، ويقع النيل فى غربيه ، وهو الذى كان يعسكر فيه بجنوده ، ابان فتح الحصن . وقد كانت تقوم تجاه هذا الموضع ، فى الضفة المقابلة للنيل ، مدينة منف القديمة ، فصار النيل يربط العاصمة القديمة بالعاصمة الحديثة ، وان فرقت بينهما القرون والأجيال وقد أطلق على ذلك المكان اسم الفسطاط ، وهو الذى صار نواة العاصمة الجديدة . وقبل أن نمضى فى تحديد موضع الفسطاط ، ووصف خططها ودورها ، والحياة بها ، يجدر بنا أن نعرض لهذه التسمية ومنشأها وما أحاط بها من آراء
يروى المؤرخون العرب فى تسمية الفسطاط بهذا الاسم قصة ملخصها أن عمرا لما أراد التوجه لفتح الاسكندرية ، أمر بنزع فسطاطه – أعنى خيمته- فاذا فيه يمامة قد فرخت . فقال عمرو : ( لقد تحـرم منا بمتحـرم) فأمر به فأقـر كما هو ، واوصى صاحب القصر به . فلما فـفل المسلمون من الاسكندرية ، قالوا : ( أين ننزل ) قالوا (الفـسطاط) يعنون فسطاط عمرو ، الذى خلفه بمصر ، مضروبا لأجل اليمامة ، فغلب عليه ذلك ولكن مؤرخى الفرنجة ، ومن نحا نحوهم ، ينكرون هـذة القصة ، ويرون أنها من نسج الخيال ، ويشكون فى تأويل كلمة الفسطاط بالخيمة ومبعث ذلك عندهـم انهم يرتابون فى أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم فى ذلك الوقت ويرجعون كلمة الفسطاط الى اللفظ اليونانى ( فساطم)
المشتق من اللفظ اللاتينى FOSSATUM والذى يطلقه الرومان على معسكراتهم الحربية ، أو المدن الحصينة ، وقد سمعه العرب من الروم عند فتح الشام ، أو حصارهم لحصن بابليون ورفض قصة اليمامة لمجرد شك من جانب مؤرخى الفرنجة هـو تعسف لا يبيحه منطق . بل ان الذى يؤيده التاريخ عكس ما يذهـب اليه هـؤلاء . فقليل من المعرفة بحياة البدو وعاداتهم لا شـكا فى أن العرب اتخذوا الخيام مساكن لهم ، وبيوتا يأوون اليها فى الصحراء . وتلك ميزة تميز بها سكان البادية عن سكان الحضر ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم اقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا الى حين )
واذا كانوا قد أفادوا من الخيام فى وقت السلم ، فأحر بهـم أن يفيدوا منها فى حـروبهم ،لاسيما اذا كانوا يحاربون فى قطر غير قطرهـم وبلاد هـم غرباء عن أهـلها وليس لهم ما يأوون اليه فيها سوى مايحملون من خيام ولاشك أن عـمـرا كان يتخذ لنفسه واحدة منها هـى التى أفرخت اليمامة فيها وهنالك مع ذلك أدلة تاريخية تثبيت أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم قبل فتحهم مصر فقد جاء فى السيرة الحلبية فى الكلام عن غـزوة الـطائف ما ننفله بحروفه ( وكان معه صلى الله عايه وسلم من نسائه أم سلمة وزينب رضى الله عنهما فضرب لهما قبتين وكان يصلى بين القبتين الصلاة مقصورة مدة حصار الطائف وكانت ثمانية عشر يوما ودخلى صلى الله عليه وسلم خيمة أم سلمة وعندها أخـوها عبد الله .. الخ)
فالشك فى أن العرب استخدموا الخيام فى حروبهم وقت فتحهم مصر مردود ولامحل له وليس فى أنه كان لعمرو فسطاط
أو خيمة يقيم فيها أثناء حصار العرب لحصن بابليون وبذلك يسقط اعتراض مؤرخى الفرنجة على قصة اليمامة وهـى لاشك صحيحة ولا يضيرها أن كلمة فسطاط تعنى أيضا ( مجتمع الناس ) أو ( المدينة الحصنية ) ,أن العرب سمعوا هـذه المعانى عند فتحهم الشام أو عند حصارهم لحصن بابليون وأن الحروف فى كلمFOSSATUM تتفق وحروف كلمة فسطاط فليس ذلك يمنع من أن تكون قصة اليمامة صحيحة
وآلان نمضى الى تحديد موقع العاصمة الجديدة وذكر كلمة عن خططها ومبانيها واتساع رقعتها وذيوع شأنها وليس من شك فى أنه من الصعوبة بمكان أن يحاول المرء رسم حدود دقيقة لمدينة انقضى على انشائها نيف وثلاثمائة وألف سنة مثل مدينة الفسطاط لسببين رئيسيين :
أولا ان المدينة لم تظل على حالها الأول حين خططت فى عهد عمرو بن العاص فلم يكن عمرو يبغى منها سوى أن تكون مقرا لعسكرهومقاما لقواده وأعوانه ولم يدر أنه يضع أساس عاصمة جديدة للبلاد ما لبثت أ، صارت مقر الحكومة ومبعث النشاط الأقتصادى فى القطر كله ومركزا هاما من مراكز الحياة العلمية والفنية فى العالم الاسلامى بأسـره فأخذ هـذا المعسكر بطبيعة موقعه الجغرافى يمتد شمالا اذ كان الجبل يحول دون امتداده شرقا كما يحول النيل كذلك دون امتداده غربا
ثانيا : اندثار كثير من المعالم التى يمكن الاستدلال بها على تحديد موقعها فالروايات التاريخية التى تحدد موقع مدينة الفسطاط وفى رواية المقريزى انما تحدد موقعها بعد انشائها بقرون عدة تزيد على ستةقرون وبعد أن وصلت الى أوج عزها ثم توالت عليها صروف الزمان ونوائبه ومع بعد الشقة بين عصر المقريزى والعصر الذى بنيت فيه المدينة فقد كانت روايته فى تحديد موقع الفسطاط ومازالت أساسا لجميع من حاولوا الكشف عن آثارها وفى مقدمة هـؤلاء المرحوم على بهجت سنة 1914 م
ويقول المقريزى : ( ان مدينة مصر محدودة بحدود أربعة فحدها الشرقى اليوم – أى سنة 820هـ ( 1417م) – من قلعة الجبل وأنت آخذ الى باب القرافة فتمر من داخل السور الفاصل بين القرافة ومصر الى كوم الجارح وتمر من كوم الجارح وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهى الى الرصد حيث أول بركة الحبش تحت الرصد حيث انتهى الحد الشرقى فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التى يسميها أهل مصر القبلية وحدها البحرى من قناطر السباع حيث ابتدأ الحد الغربى الى قلعة الجبل حيث ابتدأ الحد الشرقى فهـذا عرض مصر من جهة الشمال التى تعرف بمصر بالجهة البحرية وما بين هـذه الجهات الأربع يطلق عليه الآن مصر)
وقد انتهى المرحوم على (بك) بهجت بعد تطبيقه رواية المقريزى السابقة على بقايا الفسطاط ومقارنة المبانى التى وجدت فى وسطها بتلك التى وجدت فى أطرافها الى تحديد الفسطاط على النحو الآتى
الحد الشمالى : ويقع بين كوم الجارح وقنطرة السد
الحد القبلى : ويمتد بين الرصد – وكان قائما على ذروة الشرفالمطل على بركة الحبش – وشاطىء النيل غـربا
الـحد الـغربى : الشاطىء الأيمن للنيل وهذا الحد كان ينتقل على تتابع السنين مع تنقل الجسر نحو الغرب
الحـد الـشرقى : وكا ن يمتد فيما وراء الحد الذى عينه المقريزى أى الى حدود القرافة الحالية ويسير جنوبا حتى الرصد
ولقد استمرت الفسطاط عاصمة للديار المصرية ودارا للامارة ينزل بها أمـراء مصر حتى بنيت العسكر بظاهـر الفسطاط سنة 133هـ ( 751م) فنزل فيها أمراء مصر وسكنوها فلما شيد أحمد بن طولون مدينة القطائع سنة 256هـ (870م) وأقام فيها سكنها أمراء مصر أيضا ظلوا يسكنونها الى أن انقرضت دولة بنى طولون فعادوا الى العسكر وأقاموا بها الى أن قـدم الى مصر جوهـر الصقلى قائد المعزلدين الله الفاطمى وشيد القاهرة غير أن الرعية استمرت تسكن الفسطاط التى بلغت من وفـرة العمارة وكثرة السكان ماجعلها من أكبر المدن العالمية اذ ذاك
ومازا لت الفسطاط فى نمو وازدهار حتى قـدم الى مصر أمورى ملك الصلبيين ونـزل بجنوده على بركة الحبش يريد الاستلاء على الفسطاط والقاهـرة فأمر شـاور بن مجير السعدى وزير العاضد الفاطمى الناس باخلاء الفسطاط واللحاق بالقاهـرة فارتحلوا عنها وساروا بأسرهـم الى القاهـرة حاملين معهم ما خف حمله وغلا ثمنه ( وبلغ كراء الى الدابة من مصر الى القاهرة بضعة عشر دينارا وكراء الجمل الى ثلاثين دينارا ونزلوا بالقاهرة فى المساجد والحمامات والأزقة وعلى الطرقات ) وأمر شاور باحراق الفسطاط سنة 564هـ (1168م) وأرسل لذلك ( عشرين ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل نار فرق ذلك فيها فارتفع لهب النار ودخان الحريق الى السماء فصار منظرا مهولا واستمرت النار تاتى على مساكن مصرلتمام أربعة وخمسين يوما ) فلما رحل أمورى عن البلاد أخذ الناس يعودون الى الفسطاط ويصلحون ماتلف من أبنيتها شيئا فشيئا ولكن ذلك كان قاصرا على القسم الغربى من الفسطاط فيما بين جامع عمرو وشاطىء النيل أما القسم الشرقى منها فظل خرابا حتى يومنا هـذا وفى ذلك يقول المقريزى : ( ولم تزل الفسطاط فى نقص وخراب الى أيامناهـذه) أى حتى القرن الخامس عشر الميلادى
وبعد أن وضع عمرو بن العاص أساس جامعه سنة 21هـ (641- 642م)وكـل الى أربعة من قـواده تخطيط الأرض حول الجامع الى خطط وانزال كل قبيلة بخطتها وهـم معاوية بن حديج التجيبى وشـريك بن سـمـى الغـطيفى وعمرو بن قحزم الخولانى وحيويل بن ناشرة المعافرى فأخذت كل قبيلة فى بناء مساكنهاوكانت بسيطة فى عمارتها وتخطيطها بتكون كل منها من طابق واحد وكان لكل قبيلة مسجدها الذى تقام فيه الصلوات الخمس أما جامع عمرو فهو المسجد الجامع الذى تقام فيه الصلوات الجامعة وهـى صلاة الجمعة وصلاة العيدين كما كان يجتمع فيه الوالى بعماله وقواده للنظر فى شئون البلاد ويفصل فى المظالم التى ترفع اليه ويخطب الناس كلما اقتضى الأمر وكان يجلس فيه القضاة للقضاء بعد ان فصلت وظيفة القضاء عن الوالى ويحضر فيه الناس دروسا فى الدين والحديث والفقه عن أعلام المسلمين والمتفقهين فى الدين لتبصير الناس بأمر دينهم ودنياهم ومن تلك الخطط خطة مهرة وخطة تجيب وخطط لخم وجـذام وخـطة بنى بحر وهـم قوم من الأزدوخطة ثقيف وخطة غافق وخطة حضرموت وخطة يحصب وخطة المعافر وخطة سبأ خطة بنى وائل وخطة القـبض وخطة مـذحج وخطة بنى غطيف وبنى وعـلان وخطة بلى وخطة خـولان وخطة الصدف وخطة غنب وخطة سلامان وخطة السلف وخطة رعين وخطة الكلاع وخطة نافع وخطة مـراء وخطط الحمراوات والفارسيين وأغلب أصحاب تلك الخطط من عرب الجنوب أو اليمنية أما عرب الشمال أو قيس فكانوا أقلية ضئيلة وأنما تكاثروا فى عهد بن هشام بن عبد الملك ( 105- 125هـ) حيث انتقلت الى مصر بطون كثيرة منها ولكنهم لم ينزلوا الفسطاط وانما نزلوا الحوف الشرقى وقد عرف من بين تلك الخطط خطة أهل الراية وهـم جماعة من قريش والأنصار وخـزاعة وتمتد من جامع عمرو جنوبا حتى قصر الشمع وخطة مهرة وتقع الى الجنوب الشرقى من خطة أهل الراية كما كان لها خطة أخرى على جبل يشكر وخطة تجيب وتقع الى الجنوب الشرقى من مهرة وخطط لخم وهـى ثلاث أهمها تلك التى تقع فى الشمال الشرقى من جامع عمرو وخطة اللفيف وكانت تلاصق خطة أهـل الراية وخطة وعلان فى جنوبى قصر الشمع وقد أفرد لغير وهم الذين لقبوا با لحمراء خطط ثلاث تمتد من جامع عمرو حتى جبل يشكر الذى سكنته احدى هـذه القبائل ولذا سمى باسمها وهـذه الخطط الثلاث هـى الحمراء العليا والحمراء الوسطى وتقعان داخـل حـدود الفسطاط والحمراء الدنيا أو القصوى وتقع خارج حـدود الفسطاط الأصلية من ناحية الشمال ولعله من المفيد أن نشير هـنا الى لفظ خـط الذى ظل مستعملا الى عهـد قريب هـو نفس لفظ خـطة الذى استعمل وقت الفتح وما تلاه ولكن بعد ضـم أوله وحـذف التاء من آخـره فقـد كان يقال خـط الـمغربلين وخـط السيدة نفيسة وخط الحسينية وهـكذا
ولا يتبادر الى الذهـن أن شاطىء النيل الحالى من جـهة الشرق هـو نفسه الذى كان موجـودا وقـت انـشاء مدينة الفسطاط فالشـاطىء الـحالى يبـعد عن الشاطىء الـقديم بنـحو خمسمائة متـر انـتقلها الشاطىء االقـديم نـحو الـغرب وهـذه ظاهـرة جغرافية تمتاز بهـا الأنـهار فى مجاريها الـدنيا اذ يضعف التيار هـنا فينحت فى الجانب الغربى ويبنى فى الجانب الشرقى بما يجلبه معـه من رواسب وطمى وبهـذا الشكل تـزداد مساحة الارض فيما جاور الساحل الشرقى بينما يتسع المجرى فى الساحل الغربى وهـذا ما حـدث بالفعل للنيل فى المنطقة الممتدة حاليا من ساحل أثر النبى بمصر القديمة حتى روض الفرج فقد ورت المصادر التاريخية أن حصن بابليون وقت الفتح وجامع عمرو كانا يشرفان على النيل كذلك قرية أم دنين التى تقع فى مكان جامع أولاد عنان الحالى كانت هـى الأخرى تشرف على النيل وأن المقوقس عندما شرع يفاوض عمرو بن العاص فى شروط التسليم خرج من باب الحصن الغربى الذى يعرف بباب الحديد وكان مشرفا على النيل وركب زورقا عبر به النيل الى جزيرة الروضة الغربية وهـذا الباب الذى يوجد اليوم فى كنيسة المعلقة يبعد عن النيل حاليا بنحو خمسمائة متر كما يبعد جامع عمرو عن النيل بنفس المسافة
ومن هـنا يظهر أن المنطقة ما بين جامع عمرو وسيالة الروضة قد استحدثت منذ الفتح الغربى لمصر وأن الفسطاط الأصلية تقع شرقى خط يمتد من جامع عمرو الى قصر الشمع الذى تعرف بقاياه اليوم بالكنيسة المعلقة وقد شمل هـذا الاسم أيضا المنطقة المستجدة الواقعة غربى هـذا الخط حتى سيالة الروضة وقد ظلت هـذه التسمية حتى آخـر القـرن السابع الهجرى ( الثالث عشر الميلادى ) فلما استولى الخـرا ب على القسم الشرقى اختفى اسم الفسطاط وحل محله اسم مدينة مصر التى تعرف اليوم باسم مصر القديمة
وجامع عمرو ويسمى تاج الجوامع أو المسجد العتيق هـو أول مسجد أنشىء فى مصر كانت مساحته وقت انشائه ( 50x30زرعا) أو ( 29x 17 مترا ) وأرضه يغطيها الحصى وكان سقفه المنخفض المصنوع من الجريد محمولا على دعامات من جذوع النخل ولم يكن له صحن أو مئذنة أو محـراب وقد شيد له عمرو منبرا ولكن الخليفة عـمر أمـره بازالته قائلا له ( أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس عند عقبيك ؟) وكانت له ستة ابواب بابان فى كل جانب ماعدا جانب القبلة وبلغ الضيق بالمصلين أنهم كانوا يصطفون وقت الصلاة خارج المسجد وقد كان يحيط به من الخارج طريق عرضه سبعة أ ذرع فى بعض الجهات فأنت ترى من وصف جامع عمرو انه كان بدائيا فى تصميمه وبنائه وان البناء الحالى يختلف عن الجامع الأصلى اختلافا تاما فقد هـدم عدة مرات وفى كل مرة يعاد بناؤه ويزاد فى مساحته ويعدل تخطيطه ويضيق المقام هـنا عن تتبع المراحل التى مر بها حتى وصل الى شـكله الحاضر ولكنه مما لاريب فيه أن من أهـم التعديلات تلك التى أدخلت عليه فى عهـد ( قــرة بن شــريك ) والى مصر من قبل الخليفة الآموى الوليد ابن عبد الملك سنة 93هـ ( 710م) اذ هـدمه وزاد فى مساحته وأنشأ فيه محرابا مجوفا ( مقعرا) ومنبرا خشبيا ومقصورة وصار للجامع أربعة أبواب فى كل من الواجهـتين الشرقية واالغربية وثلاثة فى الواجهة البحرية ولم يصل المسجد الى مساحته الحالية ( 5ر112x 5ر120 مترا ) الا فى سنة 212هـ ( 827م) فى عهد عبد الله بن طاهـر والى مصر من قبل الخليفة العباسى المأمون فقد زاد مساحته الى الضعف وكانت هـذه الزيات خاتمة الزيادات وقد توالت على هـذا المسجد عهـود من الرعاية وأخـرى من الاهمـال ففى عهـد كان مكانا لاجتماع الباعـة ولعب الأطفال والمهرجين وفى آخر ازيـن واستكمل زخـرفه وحفل بالمصلين وطلاب العلـم مما استحق معه أن يسمى بتاج الجوامع وقد زار ناصر خسرو الرحالة الفارسى مصر من سنة 437هـ الى سنة 439هـ ( 1045- 1047م) فى عصر الخليفة المستنصر الفاطمى وشاهد جامع عمـرو ومما ذكـره فى وصفه ( أنه قائم على أربعمائة عمود من الرخام والجدار الذى عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التى كتب عليها آيات من القرآن بخط جميل وتحيط بالمسجد الاسواق من جهاته الأربع وعليها تفتح أبـوابه ) وقال ايضا ( وكان يوقد فى ليالى المواسم أكثر من سبعمائة قنديل ويفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأ كثر من قنديل وهـو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولايقل من فيه فى أى وقت عن خمسة آلافمن طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرهـا )
وفى سنة 564هـ ( 1168-1169م) لحق بجامع عمرو من جراء حـريق الفسطاط أضرار بالغة فلما آل مـلك مصر الى صلاح الدين الأيوبى سنة 568هـ ( 1172م) رمـم الجامع وجـدد بعض أجـزائه وأعـاد بياضه وفى سنة 702هـ ( 1302-1303م) حدث زلـزال أضر بكثير من مبانى القاهـرة فتشقـقت جـدران جامع عمرو وانفصلت أعمدته بعضها عن بعض فعهد الناصر محمد قـلاوون الى الأمير سـلار نائب السلطنة فى تعمير الجامع تعميرا شـاملا ومن آ ثار هـذه االعمـارة الشبابيك الجصية بالواجـهة الغـربية والمحراب الجصى الخارجى فى هـذه الواجهة الحافل بالزخارف والكتابات النسخية وفى 1212هـ ( 1797م) أمر مـراد بك والى مصر باصلاح المسجد اذ كانت أعمدة قـد مالت وأواوينه قد سقطت غير اتجاه عقود الأروقة فجعلها عمودية على جدار القبلة وبذلك سدت الشبابيك والمنارتان الباقيتان الى اليوم هـما من آثار عمارته التى تمت فى أواخـر شـهر رمضا ن من هـذه السنة فصلى فيه آخـر جمعة من ذلك الشهر فدرج ولاة مصر منذ ذلك التاريخ الى عهد قريب على صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان فى هذا الجامع وقد كان هـذا التقليد متبعا أيضا فى عهد الفاطميين
وكان عمرو قد بنى لنفسه دارا شـرقى المسجد عرفت باسم دار عمرو الكبرى وبنى عبد الله بن عمرو لنفسه دا را أخرى تلاصق دار أبيه من جهة الشمال وقد عرفت بدار عمرو الصغرى وفى غربى هـذه الدار بنى الزبير بن العوام لنفسه دارا ولكنها هـدمت جميعا ودخلت فى مساحة المسجد عندما ضاعف عبد الله بن طاهـر من مساحته
ظلت الفسطاط عاصمة للديار المصرية منذ نشأتها سنة 21هـ ( 641م) حتى سقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية سنة 133هـ (750م) وقد نشأت الفسطاط فى أول أمـرها بسيطة التخطيط والمبانى ولكنها مالبثت أن ازداد عمرانها وكثرت دورها وحسنت عمارتها وتعددت شوارعها وطرقاتها وعمرت أسـواقها و تقـدمت صناعاتها وحفلت بالفقهاء واالمحدثين وأهـل العلم وبالجملة فقد أصبحت مدينة عامـرة طار صيتها وطبقت الخافقين شهرتها واجتذبت اليها الزائرين والسائحين من مختلف أنحاء العالم
وكانت الدور فى أول الأمر تبنى من اللــبن ومن طبقة واحـدة كما هـو الحال اليوم فى كثير من ريف مصر ويحكى عن خـارجة بن حـذافة أنه بنى غـرفة فوق داره فنـهاه الخليفة عمربن الخطاب عن ذلك وكتب الى عمرو بن العاص يقول ( سلام أما بعد فانه بلغنى أن خارجة بن جذافة بنى غرفة ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فاذا أتاك كتابى هذا فاهـدمها ان شـاء الله والسلام )
ثم أخـذت عمارة الدور فى التقدم بالتدريج متمشية مع مقتضيات الأحوال وسنة التقدم والرقى وحاجيات السكان وقد دلت أعمال التنقيب التى قام بها المرحوم على بهجت سنة 1914م فى حفـائر الفسطاط أن الدور ( قوامها الآجر- الطوب المحروق – تتخلله لحامات ثخينة ومونة متخذة من الجيروالقصر مل أو من الجير والحمرة وبلاط من الحجر الجيرى وأنابيب مصنوعة من الفخار وشباك من المجارير المنقورة فى الصخر ) وتشمل بعض هـذه الدور على أفنية بوسطها فسقيات تصل اليها المياه وتنصرف منها فى مجار مبلطة وتحيط بتلك الأفنية أروقة وقاعات وغرف بعضها لسكنى الحريم والبعض الآخر للاستقبال كما يحددها من الجنوب أحواض الزهور وتضللها من جهة الغرب الآشجار ولكن يجب أن يكون مفهوما أن الدور التى كشفت عنها هـذه الحفائر لايمكن أن ترجع الى عصر الفتح وانما ترجع الى عصر ازدهـار الفسطاط وبلوغها أوج عزها حـوا لى القرن الرابع الهجرى ( العاشر الميلادى ) وكانت المبانى تزخرف بوضع الآجـر على هيئات مخصوصة ومن ألـوان مختلفة فيوضع الحجر الأبيض وآلأجر ألأحمر على هـيئة تعاريج ومشبكات وكحلة اللحامات بمونة بيضاء ناصعة بارزة قليلا من وجه الجدار ولقد استعيض عن هـذه الطريقة فى العصرين الطولونى والفاطمى بطلاء الأبنية بالجص من الداخل والخارج فلما استخدم الحجر بدل الآجر فى أبنية القاهـرة منذ أواخر العصر الفاطمى قضى بطبيعة الحال على هـذه الطريقة وصارت الزخارف تحفر فى الأحجار وازدانت الفسطاط بكثير من الدور والقصور والبساتين من ذلك دار عمرو الكبرى ودار ابنه عبد الله التى عرفت بدار عمرو الصغرى وكانتا شرقى جامع عمرو كما أسلفنا ودارالزبير بن العوام غربى دار عبد الله بن عمرو وشيد عبد الله بن سعد بن أبى سرح لنفسه قصرا كبيرا كان يعرف بقصر الجن لكبره وضخامته كما أمر مراون بن الحكم ببناء الدار البيضاء التى سكنها فى أثـناء اقامته بمصر كذلك أمر عبد العزيز ابن مروان ببناء الدار الذهبية سنة 67هـ ( 686-687م) غربى المسجد الجامع وكان يطلق عليها المدينة لعظمها ومعروف ان الاسلام قد حض على النظافة حتى انه اعتبرها من الايمان [ النظافة من الايمان ] فأمر بالوضوء قبل كل صلاة خمس مرات فى اليوم والاغتسال لذلك كثرت بالفسطاط الحمامات ويذكر المقريزى أنه كان يوجد بالفسطاط ألف ومائة وسبعون حماما وكانت حمامات القاهـرة فى عام 685هـ ( 1286م) ثمانين حماما فقط وبلغ عدد الطبقات فى الدور بالفسطاط وهـى فى أوج عـزها ثمانيا فبدت كالمنائر وأسفل الدور غير مسكون وربما سكن الدار الواحدة المائتان من الناس وهـذا يدلك على سعتها وعظم ارتفاعها ويقول ناصر خسرو الرحالة الفارسى المشهور ( وترى مصر من بعيد كأنها جبل وبها بيوت من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وبها أسواق وشوارع توقد فيها القناديل لأن ضوء الشمس لايصل الى أرضها لأنها مسقوفة ) وكان الحمالون يحملون الماء من النيل الى المنازل فى الروايا [ القرب ] ويصعدون الدور كل طبقة بنصف دانق ويحكى ناصر خسرو أنه كان بمصر والقاهـرة عام 440هـ (1048-49 م) اثنان وخمسون ألف جمل لحمل قـرب ماء الشرب فى هـاتين المدينتين ومما ذكره أيضا أن ركوب الخيل كان وقفا على الجند والمتصلين بالجيش بينما كان سائر الآهلين ينتقلون عاى حمير ذات سروج جميلة وكان فى الفسطاط والقاهـرة نحو خمسين ألف حمار للتأجير يشاهـد المـرء عددا كبيرا منها عند مداخل الشوارع والأسواق
كانت الفسطاط مركزا اقتصاديا عظيما وسوقا تجاريا كبيرا بالاضافة الى أنها قصبة الحكم وعاصمة البلاد ولم تفقد شهرتها كسوق تجارى عظيم حتى بعد بناء القطائع والعسكر بل والقاهـرة أيضا فظلت مركز الحركة التجارية والاقتصادية ذلك لسهولة اتصالها بداخلية البلاد وبالعالم الخارجى ايضا فقـد كانت على اتصال وثيق بداخلية البلاد بواسطة النيل فترد اليها الحاصلات والسلع من كل الوجهين القبلى والبحرى وفى ذلك يقول ابن بطوطة الرحالة المشهور (وان بنيل مصر من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية تمر صاعدة الى الصعيد ومنحدرة الى الاسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق ) كما ذكر ناصر خسرو أنه ( كان للباعة [بالقطاعى ] دكاكين بمدينة مصر[ الفسطاط] على ساحل النيل وكانت البضائع تفرغ على أبوابهم وكان الازدحام من الشدة بحيث كان يستحيل نقل البضائع على ظهور الدواب ) كانت الفسطاط تغص بالأسواق المليئة بمختلف السلع والمتاجر فقد بنى عبد العزيز بن مروان قيسارية العسل وقيسارية البال وقيسارية الكباش وقيسارية البز [ المنسوجات ] وقد أسهب ناصر خسرو فى الكلام عن الفسطاط وعظمتها وبيوتها الشاهـقة وجوامعها الكبيرة وحدائقهـا الغناء وصناعاتها الزاهـرة ووصف الثروة فى أسواقها والازدحام فيها وقال ان الحوانيت مملوءة بالسلع المختلفة والأقمشة الثمينة والذهب وسائر الحلى حتى ان المشترى لايجد فيها محلا يجلس فيه وكان شديد الاعجاب بسوق القناديل بجوار جامع عمرو فقال انه لم يعرف مثله فى أى بلد آخـر وان التحف النادرة والثمينة كانت تحمل اليه من اصقاع العالم كله وترجع هـذه التسمية الى أن سكان هـذا الحى كان لكل منهم قنديل على باب مسكنه كذلك تفد على الفسطاط السلع والمتاجر من بحر الروم ( البحر المتوسط) بواسطة النيل أيضا ومن بحر القلـزم ( البحر الاحمر ) بواسطة الدواب أو خليج أمير المؤمنين ومما تشتمل عليه سلع بحر الروم الجوارى والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف ومما تشتمل عليه متاجر بحر القلزم المسك والعود والكافور والدارصينى وغير ذلك مما يحمل من السند والهـند والصين
وخليج أمير المؤمنين ترعة كان قد أمر بحفرها نخاو فرعون مصر لتوصيل النيل بالبحر الاحمـر ثم ردمت في أواخر حكم الرومان لمصر فلما كان الفتح العربى جدد عمرو بن العاص حفرهـا سنة 23هـ ( 643- 44م) بأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لهذا أطلق عليها اسم خليج أمير المؤمنين وكانت هـذه الترعة تخرج من فم الخليج شمالى مصر القديمة متجهة الى الشمال حتى نهـاية القاهـرة وتمر بعد ذلك فى الأراضى الزراعية حيث مجرى الترعة الاسماعلية الى العباسية بمديرية الشرقية ثم الى مدينة الاسماعلية ومنها الى القـلزم [ السويس ] على البحر الأحمر وقد أقيم على هذا الخليج فى العهود التالية كثير من القناطر ليتيسر للناس عبوره سنورد أسماء أشهـرها فى مواضعها وقد كان هذا الخليج عرضة للأهـواء السياسية فيـردم اذا أراد أحد الخلفاء الضغط السياسى على مصر وتجويع سكانها وتحويل تجارة الهـند عنها الى بغداد ووادى الفرات كما فعل الخليفة المنصور العباسى
اتخذت الحركة العلمية فى اوائل عصرالفتح شكلا دينيا حيث كان الناس بحاجة الى من يفـقههم فى أمور دينهم ويعلمهم أصـول الدين الاسلامى أكثر من حاجتهم الى العلوم الدنيوية والفلسفية تلك الأصــول التى اجتمعت فى القـرآن والسنة وكان من حظ مصر أن حضر اليها مع جيش المسلمين عدد كبير من الصحابة الذين تشربوا الدين خالصا عن النبى صلى الله عليه وسلم فتلقى عنهم أهـل مصر فصارت الفسطاط معقلا حصينا من معاقل الدين تنافس المدينة وبغداد والبصرة ودمشق وغيرها من أمهـات المدن الاسلامية ومن هـؤلاء الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد بن ابى سرح العامرى والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت وعبد الله ابن عمر بن الخطاب وخارجة بن حذافة العدوى ومسلمة بن مخلد وكثير غيرهم ممن وفدوا على مصر بعد الفتح لكثرة خيراتها وخصب أرضها وطيب هـوائها وكانت معظم دروس الفقة والكلام تعطى فى المسجد والمستمعون على هـيئة حلقة بين المدرس وكان يتخذ مكانه الى جانب عمود فى المسجد مستندا بظهـره اليه ان أمكن وقد احصى المقدسى فى المسجد الجامع بالقاهـرة وقت العشاء مائة مجلس وعشرة من مجالس العلم وأشهر من عـلم بمصر من الصحابة بعد الفتح عبد الله بن عمرو بن العاص ويعتبر بحق مؤسس مدرسة مصر الدينية اذ أخذ عنه كثير من أهلها وكانوا يكتبون عنه مايحدث وقد بلغ قرابة مائة حديث وممن اشتهر من علماء مصر وفـقـهائها الأمير عبد العزيز بن مراون بن الحكم الأموى والى مصر المتوفى بحلوان والمدفون بالفسطاط سنة ست وثمانين هجرية ( 705م) وقد اشتغل برواية الحديث وله مناقب كثيرة ويزيد بن حبيب واسمه سويد ألأزدى أبو رجاء المصرى وقد كان فـقيه مصر وشيخها ومفتيها ولد سنة اثنتين وخمسين بمصر وتوفى سنة ثمان وعشرين ومائة وأبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمى الغافقى والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى وكان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر وتأثرت مصر بالمذاهب الاسلامية التى ظهرت فى العصر العباسى ففى ذلك العصر امتزجت العلقية العربية بالعقلية الفارسية واليونانية وارتفع مستوى الثقافة بين العلماء بفضل تشجيع بعض الخلفاء للعلماء والفقهاء والأدباء والشعراء واقبال بخبة من العلماء على تعريب الكتب الأجنبية ودراستها وأهـم المذاهـب التى ذاعت فى العصر العباسى المذاهـب الأربعة والتى ما زالت باقية بمصر حتى اليوم وأقـدم هـذه المذاهـب مذهـب الامام أبى حنيفة النعمان المولود بالكوفة سنة ثمانين هـجرية والمتوفى ببغداد سنة 150هـ وثانى هـذه المذاهب مذهب الامام مالك ابن أنس المولود بالمدينة سنة 93هـ أو سنة 95هـ المتوفى بها سنة 179هـ والثالث مذهـب الشافعى وهـو الامام محمد بن ادريس الشافعى المولودبغزة سنة 150هـ وقد حضر الى مصر سنة 198هـ وكون بها مذهب الجديد وتوفى بها سنة 204هـ والرابع مذهـب الامام أحمد بن حنبل الشيبانى المولود ببغداد سنة 164هـ والمتوفى بها سنة 241هـ وظل المصريون يتبعون المذهـب المالكى حتى قـدم مصر الامام الشافعى وأنشأ مذهـبه الجديد بها فاتبعه كثير من المصريين ولم يمض قرن من الزمان حتى أصبح المذهب الشافعى منافسا للمذهـب المالكى فى مصر ومن أشهر فقهاء فى ذلك العهد أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطى وقد جلس مكان الشافعى بعد وفاتهوعبد العزيز بن عمران ابن أيوب الخزاعى المصرى والربيع بن سليمان بن داود الأزدى الجيزى نسبة الى الجيزة وكان مركز الحركة العلمية فى مصر جامع عمرو مثله فى ذلك الجامع الآزهـر اليوم فكان جامع عمرو ملتقى العلماء والفقهاء والأئمة اليه يلجأ الناس للاستفتاء واليه يفد الطلاب لتلقى العلوم التى كانت تدرس فى ذلك الحين وفيه يتخرج خيرة العلماء والفقهاء وأصبحت مصر مركزا علميا هـاما خصوصا فى أواخر عصر الولاة فكان يفد اليها الطلاب لتلقى العلم وخاصة من افريقية والمغرب والأندلس وبذلك أثرت مصر على الأندلس والمغرب فى المذاهب وفى العلوم الدينية التى كانت تدرس حينذا ك وفى سنة 326هـ ( 938م) كان للمالكيين فى المسجد خمس عشرة حلقة وللشافعين مـثـلها ولأصحاب أبى حنيفة ثلاث حلقات فقط فى عهـد المقدسى تولى امامة مسجد ابن طولون أحـد الشافعية لأول مرة ولم يتقدم فى محراب هذا المسجد امام قط قبله الا وهـو يتفقه لمالك وكان معظم الفقهاء بمصر من أصحاب مالك ويقول السيوطى ان أبا بكر النعالى المتوفى عام 380هـ ( 990م) كان امام المالكية بمصر وكانت حلقته فى الجامع تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها
ونشأ القضاء فى عهـد الولاة بسيطا ثم ارتقى وتطور تدريجيا فمثلا لم يكن هـناك محكمة خاصة للفصل فى القضايا وانما كانت مجالس القضاء تعقد فى جامع عمرو بن العاص باتلفسطاط للفصل فى قضايا العرب الفاتحين أو بين من يسلمون من أهـل البلاد أو بين الذميين الذين يحتكمون فى خصوماتهـم الى القضاة المسلمين ويذكـر الكنـدى أن القاضى خير بن نعيم الحضرمى ( 120- 128هـ ) كان يقضى بين المسلمين فى المسجد ثم يجلس على باب المسجد بعد العصر فيقضى بين النصارى وكان القاضى محمد بن مسروق الكنـدى ( 177- 184 هـ ) يسمح للنصارى المتخاصمين بالدخول فى المسجد الجامع كالمسلمين ليقضى بينهم وكان القاضى يستمد أحكامه القضائية من مصادر التشريع الاسلامى وهـى القرآن والسنة والاجماع والاحتهاد أو القياس ولم تكن أحكام القضاة تدون كذلك لم يكن للقاضى شىء تصان فيه كتبه وأوراقه بل كان كاتب القاضى يحضر ومعه الكتب فى منديل ويحمل محبرته [ دواته ] فى حزامه ولهذا كانت المحابر تصنع من المعدن ولها يد بحيث يمكن أن ترشق بين طيات الحزام وبالتدريج سجلت الأحكام فى سجلات وصارت تحفظ فى دواليب خاصة ومن التقاليد التى نشأت فى هـذه الفترة أيضا خروج القاضى فى نفر من أهل الصلاح لرؤية هـلال رمضان واثبات الرؤية وكانوا يخرجون لرؤيتة فى الجيزة حتى لايختلف الناس فى شهاداتهم وبعد ثبوت الرؤية تسير مواكب الناس حاملة المشاعل وهى تهتف : ( صيام! صيام! حسبما أمر قاضى الاسلام ) وما يزال هـذا التقليد متبعا حتى اليوم حيث يترأس الاحتفال بالرؤية فى القـاهـرة رئيس المحكمة الشرعية العليا ويهتف الصبية بما هتف به أسلافهم من قبل
لما فتح العرب الأقطار العديدة وأخضعوا لحكمهم كثيرا من الأمم أثـر العرب فى تلك الأمم فنشروا بينهم لغتهم وآدابها ومختلف فنونها كما نشروا بينهم دينهم وأثرت تلك الأمم بدورها فى العرب فقد كانت لهم علوم وفنون توفر عليها العرب بالدرس والتحميص بفضل ما أوتوه من حس مرهـف وذوق سليم واختاروا أصلحها وأكثرها اتفاقا مع تقاليدهم ودينهم وصاغوا من كل ذلك ثقافة عالية وفنا اسلاميا جميلا أفاد منهما العالم قرونا طويلة ولقد كان للعرب فى حكم الشعوب أساليب ناجحة وطرائق قويمة ففضلا عن اطلاقهم حرية العبادة وكثيرا من الحريات الأخرى فقد أبقوا دفة الحكم فى ايدى حكام منهم ماخلا الوظائف الخطيرة والمناصب الرئيسية كذلك تركوا للناس صناعاتهم وحرفهم يزاولونها فى حرية واطمئنان بل انهم اولوهم كثيرا من التشجيع والمؤازرة واكتفوا بالتوجية السديد حسبما تقضيه الأوضاع الجديدة والدين الجديد فانصرف الناس الى أعمالهم يحدوهم الاطمئنان وتملأهم الثقة ويحفزهم ذلك الى الجد والاتقان ولقد دخل المصريون فى دين الله أفواجا واعتنق أكثرهم الاسلام وزاول الصناع صناعاتهم سواء منهم من اسلم ومن لم يسلم فنرى منتجات الفنون الاسلامية فى عصورها الآولى وقد تأثرت بالمنتجات الفنية القبطية نظرا لاعتماد العرب على الصناع والفنيين القبط ولأن التطور فى أساليب الصناعية كان بطيئا ولم يصل الفن الى الطراز الاسلامى البحت الا فى العصر الفاطمى بعد أن اجتاز مرحلة انتقال امتدت منذ الفتح العربى لمصر واشتملت على العصرين الطولونى والاخشيدى وان كان قد تأثر فى العصر الطولونى بالأساليب العراقية التى أتى بها أحمد ابن طولون من مدينة سامرا التى نشأ فيها وشب وترعرع ولم تقتصر استعانة العرب بالصناع المصريين فى صنع كل مايلزمهم من حاجيات ومن بناء ماكانوا يحتاجون اليه من أبنية على مصر وحدها بل اننا نجد فى الوثائق التاريخية ما يدل على ارسال العمال والصناع المصريين الى الشام وبلاد العرب للعمل فى بناء المساجد أو زخرفتها بالفسيفساء والجص وغيرذلك وقد زخرت الفسطاط بالمصانع من كل نوع تنسج المنسوجات وتصنع المصنوعات المعدنية والخشبية والأوانى والخزفية والأدوات المنزلية ووجدت فى حفائر الفسطاط بقايا من تلك المصنوعات كما يوجد بالمتحف الاسلامى بالقاهـرة نماذج قليلة منها
عودة إلى التطور التاريخى للقاهرة