الـقـاهـرة فى عهـد خلـفاء صلاح الديـن

خلف صلاح الدين سبعة عشر ولدا وفتاة واحدة
وقد اقتسم أولاده واخـوته مملكته العظيمة فوقعت مصر من نصيب ابنه عماد الدين عثمان
الذى لقب بالملك العزيز ولكنه لم يعمر طويلا اذ توفى فى 21محرم سنة 595هـ (
24نوفمبر سنة 1198م) أى بعد ست سنوات من ولايته فخلفه ابنه ناصر الدين محمد
وعمرثمانى سنوات ولقب بالملك المنصور فأقام الملك العادل بن أيوب نفسه وصيا عليه
ومالبث أن خلعه فى شوال سنة 596هـ ( 15يوليو سنة 1200م) وانفرد بحكم مصر بل انه
سرعان ما مد نفوذه على بلاد الشام أيضا وسائر دولة صلاح الدين فعادت البلاد الى
حظيرة سلطان واحد وتحت قبضة يد واحدة ويظهر ان هـذا الحل الموفق كانت تقتضيه أحوال
ذلك العهد ومالابسه من ظروف خطيرة فالصليبيون لم يلبثوا بعد وفاة صلاح الدين أن
أخـذوا يستعيدون نشاطهم ويمنون أنفسهم باستعادة ممتلكاتهم بعد ان أجلاهـم عنها صلاح
الدين فاشتبك العادل معهم فى عدة حروب بالشام ولكنهم حولوا وجوهـهم شطر مصر
واستولوا على دمياط فى 4ربيع الأول سنة 615هـ ( أول يونيو 1218م) وتوغلوا فى أرض
الوجه البحرى وكان العادل قد توفى حيبذاك فتصدى لهم الكامل بن العادل وهـزمهم بعد
قتال عنيف هـزيمة ساحقة فى 7رجب سنة 618هـ ( 6سبتمبر سنة 1231م) فى الموضع الذى
أطلق عليه فيما بعد [ المنصورة ] ثم أجلاهـم عن أرض مصر ولكنهم عادوا اليها فى عهد
ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب وكان قد تولى الملك فى 25ذى القعدة سنة 636هـ (
أول يوليو 1239م) ولكنه توفى قبل أن يتم النصر عليهم فقام بهذه المهمة ابنه المعظم
غياث الدين توران شاه وهـزمـهم هـزيمة ساحقة عند المنصورة أيضا وأسر ملكهم لويس
التاسع سنة 648هـ ( 1250م) وفى نفس العام توفى توران شاه وبموته انقرضت دولة
الأيوبيين وانتهى عـهدهـم
القلعة والأسوار :-
ذكرنا أن الملك الكامل أكمل بناء القلعة سنة
614هـ ( 1207م) وأنشأ بها قصورا وزاد فى مساحتها وأحاط الزيادة بسور أقل ارتفاعا من
سورهـا الأول ثم اتخـذهـا مقرا لملكه
قـبة الامـام الشافعى :-
ولقد أنشأ صلاح الدين فيما أنشأه من مدارس
مما سيأتى ذكره قريبا المدرسة الصلاحية سنة 572هـ ( 1176م) وأنشأ بجوارهـا ضريحا
للامام الشافعى وفى سنة 574هـ ( 1178م) أنشأ التابوت الخشبى الذى يعلو تربة الشافعى
وهـو مصنوع من خشب الساج الهندى ومقسم الى حشوات هـندسية منقوشة نقشا غاية فى
الاتقان ومكتوب عليه آيات قرانية وترجمة حياة الشافعى واسم الصانع الذى صنعه وذلك
بالخط الكوفى والنسخى وبجوار قبر الشافعى دفنت الأمير { شمس } زوج صلاح الدين
والملك العزيزعثمان ابنه ووالدة الملك الكامل لذا شيد ولدهـا الكامل فى جماد الأولى
سنة 608هـ ( أكتوبر 1211م) قبة ضمت قبر الشافعى وبعض أفراد الأسرة الأيوبية وتمتاز
هـذه القبة بما فيها من نقوش وزخارف ويوجـد فوقها من الخارج فى مكان الهلال مركب
صغير من النحاس يقال انها تسع من الحب قدر أردب لاطعام الطيور ويغلب على الظن أن
تكون هـذه المركب رمزا لعـلم الشافعى الذى شبه بالبحر الزاخر ثم انه أنشأ تابوتا من
الخشب فوق تربة والده لايقل دقة عن تابوت الشافعى وركب على باب القبة مصاريع خشبية
تماثل صناعتها صناعة التابوت ولاتزال هـذه القبة الجميلة المرتفعة قائمة الى اليوم
تعلو قبر الامام الشافعى المجاور لمسجده بشارع الامام الشافعى بالقرافة ولما تسرب
الوهـن الى المدرسة الصلاحية وتعطلت اقامة الشعائر الدينية بها هـدمهـا الأمير عبد
الرحمن كتخدا وأنشأ مكانها مسجدا عظيما سنة 1176هـ ( 1762-1763م) وضم اليه ضريح
الامام الشافعى وقد أصاب هـذا المسجد بعد ذلك تصدع وخلل فرممه على الصورة التى هـو
عليها الآن الخديو محمد توفيق سنة 1309هـ ( 1890-1891م)
تـربـة الـصالـح نـجـم الدين ايـوب :-
وتوجد بشارع مابين القصرين فى الجهة البحرية
الغربية للمدرسة الصالحية وقد أنشأتها الملكة شجرة الدر ليدفن بها زوجها الصالح نجم
الدين أيوب وبها تابوت خشبى بلغت صناعته الدقيقة درجة عظيمة من الاتقان كذلك تعد
شبابيكها النحاسية المفرغة ورخام المحراب من أقدم النماذج التى من نوعها
الحالة الاجتماعية فى عهد الأيوبيين
نعمت البلاد فى عصر صلاح الدين بأمن مستتب
وهـدوء شامل وعدل مقيم ورخاء عميم ولايظن ظان أن انشغال صلاح الدين طوا ل حياته
بالحرب والنضال قد صرفه عن تعهد البلاد بكل ما تحتاجه من اصلاح والواقع انه حفر
الترع وطهر القديم منها فأينع الزرع وكثر الرزق وعمت الخيرات
القضاء على البدع:-
ولم يأل جهدا فى القضاء على البدع التى شابت
عقائد الناس فى عهد الفاطميين وأعاد الناس الى النهج القويم والطريق السليم ونفث
فيهم من روحه قوة شجاعة وتقى وعدلا ورحمة فضربوا مثلا رائعا فى رباطة الجأش وقوة
الايمان والجد والعمل الزارع فى حقله والصانع فى مصنعه والجندى فى ميدانه
انـتشـار الـعـدل :-
وكان محبا للعدل يجلس فى كل يوم اثنين وخميس
فى مجلس عام يحضره القضاة والفقهاء ويصل اليه الكبير والصغير والشيخ والعجوز وما
استغاب به أحد الا أجابه وكشف ظلامته
الـحمـامـات :-
ولقد زار مصر فى عهد صلاح الدين وبعد وفاته
عبد اللطيف البغدادى الرحالة المشهور فأعجب بكل ماشاهـد فى القاهرة من غرائب
الأبنية ووسائل الراحة وأطنب فى وصف حماماتها فقال ( وأما حماماتهم فلم أشاهـد فى
البلاد أتقن منها وصفا ولا أتم حكمة ولاأحسن منظرا ومخبرا أما أولا فان أحواضها
يسع الواحد منها مابين راويتين الى أربع روايا وأكثر من ذلك يصب فيها ميزابان
ثجاجان حار وبارد وقبل ذلك يصبان فى حوض صغير جدا مرتفع فاذا اختلطا فيه جرى منه
الى الحوض الكبير وهـذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض وسائره فى عمقها ينزل اليه
المستحم فيستنقع فيه وداخل الحمام مقاصير بأبواب وفى المسلح أيضا مقاصير لأرباب
التخصص حتى لايختلطوا بالعوام ولايظهروا على عوراتهم وهـذا المسلح بمقاصيرة حسن
القسمة مليح البنية وفى وسطه بركة مرخمة وعليها أعمدة وقبة وجميع ذلك مزوق السقوف
مفوف الجدران مبيضها مرخم الأرض بأصناف الرخام مجزع باختلاف ألوانه وترخيم الداخل
يكون أبدا أحسن من ترخـيم الخارج وهـو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الآذاج جاماته
مختلفة الألوان صافية ألأصباغ بحيث اذا دخله الانسان لم يؤثر الخروج منه لأنه اذا
بالغ بعض الرؤساء أن يتخذ دارا لجلوسه وتناهـى فى ذلك لم تكن أحسن منه ) واذا كثرت
الحمامات فى بلد كان ذلك عنوانا على النظافة أبدان أهـله وصحة أجسامهم وسلامة
عقولهم وبالتالى دليلا على رقيهم وتقدمهم وقد كان هـذا الحال أهـل القـاهـرة فى عهد
صلاح الدين وفى عهد خلفائه من بعده
رعـايـة المـرضـى :-
وقد شمل صلاح الدين المرضى وذوى العاهات
برعايته وعنايته فأنشأ لهم دورا لعلاجهم والعناية بهم من ذلك بيمارستان بالاسكندرية
وآخـر بالقـاهـرة كان يطلق عليه البيمارستان العتيق الذى أشأه سنة 577هـ (
1181-82م) محل قاعة بالقصر الكبير بناها العزيز بالله الفاطمى سنة 284هـ (
897م)وكانت آيات من القران مكتوبة على جدرانها وموضع هـذا البيمارستان اليوم مجموعة
المبانى الواقعة خلف دورة مياه المشهد الحسينى من الجهة البحرية الى عطفة القزازين
وقد أوقف على كلا البيماستان الأوقاف الجيدة شأنه فى ذلك شأن جميع المدارس التى
أنشأهـا بمصروالشام والتى سيأتى الكلام عنها عاجلا وقدأصاب مصر فى عهد هـذه الدولة
قحط مما يتهدد البلاد دواما فى العصور الوسطى من جراء انخفاض النيل وافتقار الأرض
الى مياه الرى فيجف الزرع ويقل القوت وتنتشر المجاعة ويعقبها حدوث الأويئة التى
تفتك بالناس وتحصدهم حصدا فاذا ما ارتفع النيل بعد ذلك لم يجد الأيدى التى تفلح
الأرض وتستنبت النبات فيمتد القحط بالبلاد عدة سنوات ربما بلغت سبعا كما حدث فى عهد
المستنصر الفاطمى مما سبق وصفه قبل الآن
الـقحـط فى حـكـم الـعـادل :-
وقد حدث فى السنوات الأولى من حكم الملك
العادل ( 596-615هـ / 1200-1218م) قحط لايقل هـولا عما حدث فى عهد المستنصر الفاطمى
وقد وصف عبد اللطيف البغدادى الذى عاصر الدولة الأيوبية هـذا القحط بقوله : ( يئس
الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار واقحطت البلاد وأشعر أهلها البلاء وهـربوا من
الخوف الجوع وانضوى أهـل السواد والريف الى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم الى
الشام والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا فى البلاد أيدى سبا ومزقوا كل ممزق ودخل الى
القـاهـرة ومصر [ الفسطاط ] منهم خلق كثير واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت واشتد
بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيفة والكلاب ةالبعر والأرواث ثم تعدوا ذلك
الى أن أكلوا صغار بنى أدم فكثيرا ما يعثر ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب
الشرطة باحراق الفاعل لذلك والآكل ورايت صغيرا مشويا فى قفة وقد أحضر الى دار
الوالى ومعه رجل وأمراة زعم الناس أنهما أبواه فأمر باحراقهما)
وقد اجتاج الوباء أهـل مصر ( حتى ان القرية
التى كان فيها خمسمائة نفس لم يتأخر بها سوى اثنين أو ثلاثة وكانت الأزقة كلها
بالقـاهـرة ومصر لايرى فيها من الدور المسكونة الا القليل وعدمت الحيوانات جملة
فبيع فروج بدينارين ونصف دينار وبيع الرأس الواحـد من البقر بسبعين دينارا.. فلما
أغاث الله الخلق بالنيل لم يوجد أحد يحرث أو يزرع فخرج الأجناد بغلمانهم وتولوا ذلك
بأنفسهم )
الـحالـة الـعلمـية والـثقافـية
احلال المذهـب السنى محل المذهـب الـشيعى :-
تقدم القول أن صلاح الدين أخذ على عاتقه محو
المذهـب الشيعى من مصر وبذلك يقضى على كل أثر للدولة الفاطمية فيها ويقضى على كل
أمل لهم فى العودة الى حكم مصر اذ ان بقاء تلك الدولة كان مرهـونا ببقاء مذهـبها
وازدهـاره فى البلاد حقيقة ان صلاح الدين استعمل الشدة مع الفاطميين وأتباعهم فطرد
حرس الخليفة العاضد وكانوا من السودانيين الى الخليج وأعمل فيهم القتل والذبح مدة
يومين وحرق ثكناتهم وكانت خارج باب زويلة فى الحى الذى يعرف بالمنصورية والذى تحول
بعد ذلك الى حدائق كان ويجتازهـا السلطان عند مسيره من القصر الى القلعة الجديدة
كما أخمد ثورة أخرى بالاسكندرية الا أنه عندما استتب له الامر وقبض على ناصية
البلاد بيد قوية شرع فى القضاء على المذهـب الشيعى متبعا طريقة دلت على حكيم سياسته
وسعة حيلته واتساع أفق تفكيره مبتعدا عن العنف والشدة فى اقتـفاء أثر معتنقى هـذا
المذهـب والتنكيل بهم وانما اتبع سياسة يمكن أن نطلق عليها سياسة الازاحة أى ازاحة
مذهـب لاحلال مذهـب آخر مكانه فأزاح المذهـب الشيعى وعمل على احلال المذهـب السنى
مكانه وأنشأ لذلك مدارس يدرس فيها الدين وفق المذاهـب الأربعة ولم يجد فى ذلك كبير
صعوبة فالمذهـب الشيعى وان ساد مصر طوال حكم الفاطميين لها الا انه لم يكن قد تأصلت
جذوره فى نفوس المصريين اذ الواقع أن الفاطميين قد روجوا لمذهـبهم هـذا تارة بطريق
الشدة والاكراه وطورا بطريق الدعاية والاغراء واقامة الأفراح والولائم والاعياد
فلما أفل نجمهم لم يكن عسيرا حينئذ اعادة البلاد الى حظيرة المذهـب السنى الذى
اعتنقه المصريون منذ الفتح الاسلامى سنة 20هـ ( 641م) الى وقت قيام الدولة الفاطمية
سنة 358هـ ( 969م) أى مدة نيف وثلاثة قرون
الــمـدارس :-
لهذا السبب أنشأ صلاح الدين المدرسة الناصرية
سنة 566هـ (1170م) بجوار الجامع العتيق [ جامع عمرو ] لتعليم الدين وفق المذهـب
الشافعى وكان حينئذ يتولى وزارة مصر للخليفة العاضد وهـى أول مدرسة أقيمت بمصر
وأنشأ فى نفس السنة مدرسة أخرى بجوار الجامع نفسه عرفت بالمدرسة القمحية لتعليم
الدين وفق المذهـب المالكى وانما عرفت بهذا الاسم لأنه أوقفت عليها ضيعة بالفيوم
يوزع قمحها على الطلاب وشيوخهم وفى سنة 571هـ ( 1176م) أنشأ المدرسة الصلاحية بجوار
قبر الامام الشافعى برسم فقهاء الشافعية وبنى مدرسة ثالثة مجاورة للمشهد الحسينى
وفى 572هـ ( 1177م) أمر بأنشأ مدرسة لتعليم الدين وفق المذهـب الحنفى هـى مدرسة
السيوفية وهـى أول مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر وهـى من جملة قصر الوزير
المأمون البطائحى ووقف على مستحقيها اثنين وثلاثين حانوتا بخط سويقة أمير الجيوش
وباب الفتوح وحارة برجوان كما أنشأ بالاسكندرية سنة 577هـ ( 1181م) مدرسة أخرى ولكى
يضمن ازدهـار هـذه المدارس واستمرارها فى أداء رسالتها أوقف عليها كما رأيت الخيرات
والأرزاق وعنى بالطلاب والشيوخ على حد سواء وكما ابتدع صلاح الدين انشا المدارس فى
مصر تلك المدارس التى أخذ خلفاؤه من بعده يتبارون فى انشائها فانه كان أول من أدخل
تصميم بناء المدرسة الى مصر نقلا عن المدارس سوريا وقد أخذ هـذا التصميم فى
الانتشار أيضا من بعده حتى غلب تصميم المدرسة على المسجد فأنشىء على مثالها الكثير
من المساجد حتى لو لم تخصص لتدريس المذاهـب الأربعة وقد اندثرت هـذه المدارس جميعا
ولم يبق لها اليوم أدنى أثر فالمدرسة الصلاحية دخلت فى بناء جامع الامام الشافعى
والمدرسة التى كانت بجوار المشهد الحسينى أدخلت أيضا فى هـذا المشهد وأصبح فى محلها
الايوان الشرقى عند المحراب الحالى للجامع ومدرستا الشافعية والمالكية بجوار جامع
عمرو قد زالتا وأصبح مكانهما أرض فضاء فى الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية من
الجامع المذكور ومشغولة بقمائن الجير والفواخير
الـمدارس فى عهـد خلفـاء صلاح الدين :-
ولم يبق من مدارس خلفاء صلاح الدين سوى
الايوان الشمالى الغربى من المدرسة الكاملية الموجودة على الجانب الغربى من سوق
النحاسين اليوم بجوار جامع السلطان برقوق من بحريه وكان قد أنشأهـا الملك الكامل بن
العادل بن أيوب لتدريس الحديث سنة 622هـ ( 1225م) لذا عرفت بدار الحديث الكاملية
وهـى أول دار أنشئت بمصر لهذا الغرض وثانى دار فى الشرق بعد دار الحديث الت
ىأنشأهـا الملك العادل نور الدين محمود زنكى بدمشق وقد بنى الكامل هـذه الدار
واوقفها على المشتغلين بالحديث النبوى ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية وتعرف
اليوم باسم جامع الكاملية او جامع الكامل وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن
الملك قد أنشأ سنة 641هـ ( 1243-44م) مدرسة خصصت لدراسة المذاهـب الأربعة وهـى أول
مدرسة يجتمع فبها تدريس المذاهـب الأربعة وكان انشاؤهـا على قطعة أرض من جملة القصر
الشرقى الفاطمى مساحتها 6000مترا مربعا تقريبا ودخل فيها باب الزهـومة أحد أبواب
القصر وكانت تتكون من قسمين : أحدهما على يمين الداخل من الباب العمومى والثانى
على يساره وكان بكل قسم ايوانان ويتوسط القسمين صحن كبير يدرس الطلاب بكل ايوان
مذهـبا من المذاهـب الأربعة ولم يبق من مبانى هـذه المدرسة سوى واجهتها التى بها
الباب العمومى المشرف على شارع مابين القصرين وتعلوه مئذنتها ولكن يحجب هـذه
الواجهة الأثرية الجميلة الحافلة بالزخارف والكتابات سبيل خسرو باشا وما يجاوره من
دكاكين حقيرة بشارع بين القصرين وقد نقل الباب الخشبى لهذه المدرسة الى المتحف
الاسلامى بميدان أحمد ماهـر بالقـاهـرة وقد تخلف من الجزء البحرى الايوان الغربى
الملاصق لتربة منشىء المدرسة وبقايا بسيطة من الايوان الشرقى وأما النصف القبلى فقد
اغصبت أواونيه ولم يبق منه سوى الواجهة وتحتله وكالة الجواهـرجية
الادب والثـقـافـة :-
وقد كان للأدب والثقافة فى دولة بنى أيوب شأن
ذلك لأن صلاح الدين كان يجالس سوى الأدباء والفقهاء والعلماء ويجزل لهم العطاء
ويصلهم بالمنح والمكافآت بل ان وزارته كانت تضم اثنين من كبار الأدباء : أحدهما
القاضى الفاضل والآخر عماد الدين الكاتب الاصفهانى اللذان اشتهرا بحسن الأسلوب
ورشاقة الرسائل وكان أخر سكرتير خاص له بهاء الدين بن شداد الذى كتب تاريخ حياته (
وقد كانت تحيط به جمهرة من الآذكياء الذين لم يقتصروا على وزرائه الباهـرين بل أيضا
أشخاصا متميزين كطبيبه اليهودى ابن ميمون والعالم المبدع العراقى عبد اللطيف
البغدادى ( 1162-1231م) الذى يعتبر وصفه لمصر من أهـم المؤلفات الطبوغرافية التى
كتبت فى العصور الوسطى
عمـاد الدين الـكاتب :-
وقد كان العماد كاتبا مجيدا وشاعرا مفلقا
ومؤرخا عالما وله مؤلفات كثيرة منها { كتاب خريدة القصر وجريدة العصر } جمع فيه
تراجم شعراء الشام والعراق ومصر والجزيرة والمغرب وفارس وهـو يدخل فى عشرة مجلدات
وكتاب ( البرق الشامى والفتح القسى فى الفتح القدسى ) وكتاب ( السيل على الذيل
ونصرة الفطرة وعصرة القطرة فى أخبار الدولة السلجوقية ) وقد رثا صلاح الدين بقصيدة
عامرة جاء فيها :
شمل الهدى والملك وعم
شتاته والدهـر ساء واقلعت حسناته
بالله أين الناصر الملك
الذى لله خالصة صفت نياته
أين الذى مد لم يزل
مخشية مرجوة رهـبانه وهـباته
أين الذى كانت له
طاعاتنا مبذولة ولربه طاعاته
أين الذى زال سلطانا لنا
يرجى نداه وتنقى سطواته
أين الذى شرف الزمان
بفضله وسمت على الفضلاء تشريفاته
لاتحسبوه مات شخصا
واحدا قد عـم كل العالمين مماته
ملك عن الاسلام كان محاميا
أبدا لماذا أسلمته حماته
الـقـاضـى الـفـاضـل :-
أما القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على
البيسانى فقد كان شاعرا استشهد علماء البديع بكثير من شعره فى انواع كثيرة ومن شعره
الذى جرى مجرى الأمثال قوله :
واذا السعادة لاحظتك
عيونها نم فالخاوف كلهن أمـان
واصطد بها العنقاء فهى
حبائل واقـتد بها الجوزاء فهى عنان
وقال فيه ابن خلكان { وبرز فى صناعة الانشاء
وفاق المتقدمين وله فيه الغرائب مع الاكثار أخبرنى أحد الفضلاء الثقاة المطلعين عاى
حقيقة أمره أن مسودات رسائله فى المجلدات والتعليقات فى الأوراق اذا جمعت ماتقصر عن
مائة مجلد وهـو مجيد فى أكثرها } وكفاه فخرا ماكان يقوله فيه صلاح الدين [ لاتظنوا
أنى ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل ] ومن شعراء هـذا العصر الشيخ شرف الدين
أبو حفص وأبو القاسم عمر ابن أبى الحسن على بن المرشد بن على المعروف بابن الفارض
الحموى الأصل المصرى المولد والدار والوفاة الصالح الشاعر المشهور أحد البلغاء
الفصحاء الأدباء يروى أن الملك محمد الكامل أراد أن يصله بالعطاء فأبى كما أنه رفض
مقابلته وقد قصد الملك الكامل داره وذلك لزهـده وبعده عن زخرف الدنيا وله ديوان شعر
جمع أشهر قصائده ومن عيون تلك القصائد البائية التى منها :
سائق الاظعان البيد
طى منعما عـرج على كثبان طى
وبذات الشيخ عنى ان
مرر ت بحى من عريب الجزع حى
وتلطف وأجر ذكرى
عندهم عنهم أن ينظروا عطفا الى
قل تركت الصب فيكم
شيخا ماله مما يراه الشوق فى
ومن مقطعات شعره قوله :
وحياة أشواقى
الـيــ ــك وحرمة الصبر الجميل
لاأبصرت عينى
سواك ولا صبوت الى خليل
وقد توفى بالقـاهـرة فى جماد الأولى سنة
632هـ ( يناير سنة 1235م) ودفن بجهة الأبجية بسفح المقطم بمسجده المعروف بمسجد عمر
بن الفارض
عبد اللطيف الـبغـداى :-
أما عبد اللطيف البغدادى فقد ولد بغداد سنة
557هـ ( 1162م) ودرس الطب والفلسفة وعلوم اللغة وتنقل بين الشام ومصر والعراق واتصل
بصلاح الدين وغيره من الأمراء الأيوبيين واجتمع بأعلام الأساتذة ولم يكن ( يأخذ
بقلبه ويملآ عينه ) الاالنفر القليل منهم وقد لقى القاضى الفاضل فى معسكر صلاح
الدين بظاهـر مدينة عكا فأرسله الى مصر بتوصية منه الى وكيله ولكن عبد اللطيف لم
يلبث أن غادر مصر ورحل الى القدس للقاء صلاح الدين يمم شطر دمشق وقدم مصر ثانية بعد
وفاة صلاح الدين واشتغل بالتدريس فى الأزهـر ومن مؤلفاته [ الافادة والاعتبار فى
الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر ] وهـو يشتمل على وصف رحلته الى وادى
النيل فى نهاية القرن السادس الهجرى { الثانى عشر الميلادى } وهـو على اختصاره
يمتاز بدقة الوصف والاتجاه العلمى وليس هـذا بعجيب من عالم طبيب كالبغدادى وقد وصف
فيه خواص مصر العامة وماتختص به من النبات والحيوان ومافيها من الآثار القديمة مثل
الأهـرام وأبى الهول والمسلات والمعابد فى مصر العليا ومنارة الاسكندرية وعمود
السوارى
مـوسـى بـن مـيـمـون:-
وموسى بن ميمون ويعرفه العرب بأبى عمران عبيد
الله فهو يهودى الأصل ولد فى مدينة قرطبة بالاندلس سنة 530هـ ( 1135م) ولما شب تلقى
العلم على علماء قرطبة وفلاسفتها من المسلمين ويهود ثم نزح الى بلاد المغرب سنة
555هـ ( 1160م) وأقام بمدينة فاس ثم رحل الى عكا بفلسطين سنة 561هـ ( 1165م) وبعد
أن أقام بها نصف سنة رحل الى مصر فى أواخر عهد الدولة الفاطمية وقد ظل بها الى حين
وفاته سنة 601هـ ( 1204م) وقد أقام بمدينة الفسطاط يلقى المحاضرات فى علوم الرياضة
والفلك والفلسفة وقد شهد سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية وعاصر أكثر
ملوكها وقام بتطبيبهم وتطبيب أفراد أسرتهم ومداواة الناس على اختلاف مللهم ولم
يمنعه كل ذلك عن التدوين والتصنيف فى الفلسفة والطب والمنطق والدين اليهودى وقد
انتهى به الأمر الى ان أصبح رئيس الطائفة اليهودية بمصر
الـحالـة الـفـنـية
انطبع العصر الأيوبى كما رأيت بالطابع الحربى
الذى استلزمه مقاومة الصليبيين والقضاء على أطماعهم كما انطبع أيضا بالطابع السنى
وقد استلزم ذلك حماية البلاد من عودة الفاطميين الى امتلاكهم مصر ونشر تعاليمهم
فيها وكان لذلك كله أثره الواضح فى سير الفنون واتجاهـاتها:-
الـمـبـانـى :-
ففى المبانى انتشر بناء الأسوار والحصون وقد
أتينا قبل الآن على وصف قلعة صلاح الدين وأسوار القـاهـرة وما تخللها من أبراج
وحصون وكل ذلك لتحصين الخطر الصليبى الذى كان يهدد البلاد فى ذلك العهد
الـمـدارس :-
كذلك انتشر بناء المدارس لتعليم الدين وفق
المذاهـب الأربعة دفعا للمذهـب الشيعى وقضاء عليه وقد استتبعت هـذه السياسة الدينية
الجديدة اجراء تعديل فى تخطيط المسجد فقد كان المألوف فى تصميم المسجد قبل أنشاء
هـذا المدارس أن يتكون من أربعة أواوين مسقوفة فى الغالب ومحمولة عقودهـا على عمد
أو اكتاف أكبرهـا ايوان القبلة ويتوسط الأواوين صحن مكشوف تتوسطه أحيانا قبة تحتها
فسقية أما تصميم المدرسة فيشمل على ايوانين أو أربعة أواوين معقودة متقابلة تكون
شكلا متعامدا Cruiform
أكبرهـا ايوان القبلة وأصغرهـا الايوانان الجانبيان ويتوسطها غالبا صحن مكشوف به
قبة الفسقية ويلحق به عادة مدفن للمنشىء وسبيل يعلوه كتـاب ومساكن للطلاب ولما صغر
حجمها غطى الصحن واستغنى عن الفسقية وعن قبتها وقد ساد هـذا التصميم فى عصر
المماليك
ركــود الـفـنـون :-
وقد كان لتمسك الأيوبيين بالسنة وتعاليمها
وعدم استباحتهم لأنفسهم ما استباحه الفاطميون فى تعاطى الفنون أثر كبير فى ركود
الفنون بوجه عام وان كانت قد ازدهـرت فى بعض نواح مثل الحفر على الأخشاب والخزف
المطلى بالمينا
الاخشـاب المـحفورة :-
أما الحفر على الأخشاب فقد بلغ الذروة فى عهد
الأيوبيين يرى ذلك فى ثلاثة توابيت : أحدهـا على قبر الامام الشافعى والثانى على
قبر الملكة شمس زوج صلاح الدين الموجودة بجانب قبر الشافعى والثالث كان موضوعا فوق
الامام الحسين رضى الله عنه وهـو الآن موجود بالمتحف الاسلامى بالقـاهـرة وهـذه
التوابيت الثلاثة المتخلفة عن العصر الأيوبى تتكون من ترابيع خشبية قوامها حشوات
صغيرة يربط بعضها البعض { سقاسات } من الخشب بهذه الترابيع فى مجموعها شريط من
كتابات كوفية يليه شريط آخر من كتابات نسخية وقوام الزخرفة فى هـذه الحشوات فروع
نباتية واوراق ذات فصوص عناقيد العنب وهـى تذكرة الى حد كبير بالزخارف الموجودة على
جوانب محراب السيدة رقية وفى ظهره
الابــواب :-
وبقية ضريح الامام الشافعى وكذلك بمسجد
الامام الليثب بابان يرجعان الى العصر الأيوبى مؤرخان سنة 608هـ ( 1211-12م) وقوام
الزخرفة فى هـذين البابين أطباق نجمية تتكون من الحشوات الصغيرة المدقوقة ( أيـمـه
) تحيط بها السقاسات مما مهد لانتشار هـذا النوع من التصميم فى الأبواب أيام
المماليك ويوجد بالمتحف الاسلامى باب مخلف من قبة الامام الشافعى مصفح بالنحاس مثبت
به حشوات نحاسية فى أطباق نجمية وقوام الزخرفة فى هـذه الحشوات أوراق وفروع نباتية
والحشوات هنا مسطحة ليس بها بروز وهـذا الباب هـو النموذج الثانى من نوعه اذ أن
النموذج الأول هـو باب مسجد الصالح طلائع المنشأ سنة555هـ ( 1160م) والموجود الآن
بالمتحف الاسلامى بالقـاهـرة
الابـواب الـنحـاسية :-
ولقد كان ظهور مثل هـذه الأبوابالنحاسية
تمهيدا لانتشار مثل هـذه الأبواب ذات الحشوات البارزة فى ايام المماليك وخير مثل
لهذا النوع من الأبواب الباب النحاسى لمسجد السلطان حسن سنة 764هـ ( 1362-63م)
والذى نقله المؤيد سنة 818هـ ( 1415م) الى مسجده الذى فرغ من بنائه فى نفس السنة
والقائم خلف باب زويله
الـخـزف :-
ويظهر فى العصر الأيوبى نوع جديد من الخزف
والزخرفة فى هـذا النوع الجديد منقوشة تحت الطلاء والكتابة عليه بالخط النسخى وهـو
يخالف الخزف الفاطمى أو الطولونى المعروف بالخزف ذى البريق المعدنى
luster pottery
والذى كانت الكتابة عليه بالقلم الكوفى ويوجد
بالمتحف الاسلامى بالقاهـرة من الخزف الأيويى منها : قطعة قوام زخرفتها رسم
باللونين الأزرق والأسود يمثل شخصين فى قارب مزين بمربعات سوداء وزرقاء وأخرى قوام
زخرفتها رسم حيوان باللون الأسود وتمتاز بتصرف وحرية يجعلانه يشبه بعض الرسوم
الزخرفية فى العصر الحديث وثالثة عليها رسم أرنبين باللون الأزرق الفاتح وكل منهما
يولى الآخر ظهره وبينهما رسوم زهـور باللون الأحمر ومما يلفت النظر فى هـذه التحفة
التماثل والتقابل فى رسم الأرنبين ثم الحركة التى تبدو فيهما ورفـة الرسوم النباتية

عودة إلى التطور التاريخى للقاهرة
|