الـفـنـون فى عصـر الـمماليـك

أوضحنا فيما مضى كيف ان فن العمارة فى عهد
المماليك بلغ شأوا عظيما لم يبلغه فى الزمن السابق أو الزمن اللاحـق لعصر المماليك
وذكرنا أمثلة لذلك بعض المساجد الشهيرة التى خلدت ذكـرهـم وازدانت بها القاهـرة
وماتزال ووصفناهـا وصفا موجزا بقدر ماسمحت به صحائف هـذا الكتاب ووصفنا ما حفلت به
من نقوش وزخارف وما اشتملت عليه من تحف فنية وطرف غالية والواقع ان ما أدركه فن
البناء من تقدم امتد أيضا الى بقية الفنون الاسلامية فى هـذا العهد فازدهـرت وارتقت
أيما ارتقاء وغصت قصور المماليك وبيوتهم بالتحف الثمينة من خشبية وخزفية وزجاجية
وبلورية وعاجية ونحاسية وفرشت بالطنافس والأبسطة والرياش الثمينة ولقد سلمت لنا
نماذج كثيرة من كل ذلك محفوظة الآن بالمتحف الاسلامى بميدان أحمد ماهـر بالقاهـرة
ننصح القارىء ألا يفوته زيارتها واستجلاء محاسنها والاستمتاع بجمالها الفنى والآن
نأتى على وصف نماذج من تلك التحف معتقدين ان ذلك سيستهوى القارىء لرؤيتها فى المتحف
الاسلامى المذكور رأى العين
الـتحـف الـخشـبـيـة :-
اشتملت التحف الخشبية فى العصر المملوكى على
بناء المنابر والكراسى والدكك والمشربيات والسقوف والأبواب والصناديق وتمتاز كل
هـذه التحف بالأشكال الهندسية البديعة المحفورة عليها من مربعات ومعينات ومنحرفات
ونجوم تتداخل بعضها فى بعض وهـى وان كانت لايتكون منها موضوع كامل متماسك الا يتكون
منها تراكيب غاية فى الرشاقة والابداع وقد نشأت فى العصر المملوكى بعض أساليب جديدة
فى صناعة التحف الخشبية كتطعيم الحشوات بخيوط أو أشرطة رفيعة ( مستريكات ) من نوع
آخر من الخشب أغلى ثمنا وأندر وجودا أو بالعاج والعظم كما كانوا فى بعض الأحيان
يكسون الخشب بطبقة دقيقة من الفسيفساء أو الزردشان مكونة من قطع صغيرة من الأبنوس
والسن والقصدير ويوجد فى المتحف الاسلامى بالقاهـرة نماذج كثيرة لكل من الأنواع
السابقة من أجملها الكرسى المستحضر من مسجد السلطان شعبان ( 770هـ 1369م) وهـو على
شكل منشور سداسى من خشب شوح تركى مكسو بالفسيفساء الدقيقة من السن والأبنوس وزخرفته
على شكل عقود فى الحشوات العليا والسفلى من الجوانب والقاعدة فيها برامق مخروطة من
ابنوس وسن تشاهد على أرجله كذلك وكانت هـذه الكراسى تستعمل فى قصور المماليك لوضع
موائد الطعام عليها وفى المساجد لحمل الشموع التى توجد بجانب المحراب عند الصلاة
ليلا وشهد عصر المماليك ازدهـار صناعة المشربيات المصنوعة من الخشب المخروط الدقيق
الصنع وقد كانت المشربييات تمتد من جدران البيوت الى الطريق فيختفى النساء وراءهـا
عن أعين المارة فى الطريق كما ساعدت على تجميل بعض شوارع القـاهـرة وطرقاتها وعلى
اكسابها طابعا فنيا جميلا ويفسر بعض المشتغلين بالفنون الاسلامية كلمة مشربية بأنها
منشتقة من الشرب ويذكر ان القلل كانت توضع خارجها فيبرد ماؤهـا ولكن لأستاذنا
الجليل الأستاذ محمد فؤاد مرابط أستاذ تاريخ الفنون بجامعة القـاهـرة تفسيرا مقبولا
فهو يذكر ان كلمة مشربية قد حرفت عن كلمة مشرفية التى تشتق من الشرافات التى تعلو
البناء وتشرف عليه كالشرافات التى تعلو اسوار الجامع الطولونى وكلمة مشربية أيسر فى
النطق عند العامة من كلمة مشرفية ومن هـذا القبيل تحريفهم اسم ( باب الخزق ) الى (
باب الخلق) وقد أشرنا الى ذلك عند الكلام على الميادين التى أنشأهـا المماليك للعب
الاكرة اذ ان الاسم الاخير أكثر سهولة فى نقطة وأكثر تدولا وان كان أبعد عن المعنى
المقصود من التسمية
التحف النحاسية :-
وقد امتـد تطور الزخرفة فى التحف النحاسية
الى الزخارف النباتية والهندسية التى رايناهـا فى الحفر على الخشب ولكن فضلا عن ذلك
يشهد العصر المماليك تطورا آخر فى التحف النحاسية وذلك بتطبيقها أو تكفيتها بالذهـب
والفضة وسبق أن ذكرنا فى اسواق القـاهـرة انه كانت بها سوق خاصة لهذة الصناعة هـى (
سوق الكفتيين ) وذكرنا طرفا من المصنوعات النحاسية المكفتة ولاشك أن القرن الثالث
عشر الميلادى هـو العصر الذهـبى للتحف النحاسية الفاخرة المكفتة وزخارف هـذه التحف
ذات نضرة وبهاء يكسبان التحفة بريقا ولمعانا تظهر فيها الأساليب الفنية الايرانية
ولقد انتقلت هـذه الصناعة الى القاهـرة من الموصل بعد سقوطها فى يد المغول ولقيت فى
مصر رواجا عظيما حتى ان كل شخص كان يحرص على اقتناء بعض الأوانى النحاسية ويقول
المقريزى : ( انه كان لايخلو بيت بالقاهـرة ومصر من عدة قطع نحاس مكفت ) وبالمتحف
الاسلامى بالقاهـرة مجموعة كبيرة من تلك الآوانى بمختلف أنواعها من صوان وكراسى
وشماعد ومقالم وتنانير وشبابيك وأبواب ومن أجمل هـذه التحف كرسيان من عهد الناصر
محمد قلاوون مصنوعان من النحاس المخرم والمنقوش ويحمل أحدهـما اسم صانعه محمد بن
سنقر البغدادى السنانى وتاريخ صنعه وهـو سنة 728هـ ( 1327م) فى عهد الناصر محمد بن
قلاوون ولما كانت وسائل الاضاءة قديما تعتمد على استعمال الزيوت والشموع فقد قامت
صناعة المشكاوات والشماعد والتنانير( الـثريات ) وكلها قد تناولها الصناع بالنقش
والزخرفة فصارت كل قطعة منها تحفة فنية رائعة ومن أجمل الشماعد المحفوظة بالمتحف
الاسلامى بالقاهـرة شمعدان صنع بأمر السلطان قايتباى سنة 887هـ ( 1482م) ليهدى الى
الحرم النبوى الشريف بالمدينة وقوام زخارفه كتابات تظهر بوضوح على أرضية من سيقان
وفروع نباتية وزهـور وتنتهى حروف الكتابة بأشكال تشبه المقص ومن أجمل المقالم مقلمة
من النحاس مكفتة بالذهـب والفضة باسم السلطان الملك المنصور محمد المتوفى سنة 764هـ
( 1363م) ومن أجمل التنانير تنور باسم السلطان حسن مؤرخ سنة 763هـ ( 1361م) مصنوع
من النحاس على شكل منشور مثمن وفوق التنور قبة التنور قبة صغيرة وهـلال ولاتزال
كثير من مساجد المماليك تحتفظ بشبابيكها وأبوابها المكفتة بالذهـب والفضة كأبواب
مدرسة السلطان حسن ومصراعى باب جامع السلطان برقوق
الـخزف والـقاشـانـى :-
ولقد تأثرت صناعة الخزف فى عصر المماليك
بصناعة الخزف الايرانى فبعد أن كانت الطريقة السائد هـى صناعة الخزف ذى البريق
المعدنى انتشرت صناعة الخزف ذى الزخارف تحت الطلاء واللونان المفضلان هـما والأخضر
أو الأسمر والزخارف متنوعة جدا والصور الآدمية نادرة جدا أما الحيوانات فمرسومة فى
أوضاع جامدة ومن أشهر صناع الخزف فى هـذا العصر غزيل وغزال ودهين وعيبى والأستاذ
المصرى ولكل من هـؤلاء بالمتحف الاسلامى قطع من آنية تنسب اليه وجدت فى حفائر
الفسطاط حيث كانت توجد مصانع الخزف وعلى أكثرهـا زخارف نباتية من أوراق شجر وغصون
مختلفة الأشكال محفورة تحت الطلاء مما امتاز ت به زخرفة الخزف فى هـذا العصر ونهاية
القرن الخامس عشر تظهر فى مصر صناعة القاشانى الذى تكسى به الجدران ومن أمثلة هـذا
القاشانى قرص مصنوع فى مصر وهـو باسم السطان قايتباى سنة 1496م وحروف كتابته بيضاء
على أرضية زرقاء والاطارات المستديرة والمقسمة الى ثلاث مناطق بوساطة خطين أفقيين
فيها توجد كثيرا على العمارات والتحف الفنية فى عصر المماليك ومثلها قرص السلطان
قايتباى السابق ذكره ونص الكتابة عليه ( عز لمولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر
قايتباى عز نصره )
الـتحف الـزجـاجيـة :-
ولقد صنع الفنانون فى عصر المماليك من الزجاج
والقوارير والأباريق والكؤوس والمصابيح والزجاجات وكانت صناعته منتشرة فى مصر وبلاد
الشام خصوصا فى حلب ودمشق ولكن أجمل ماصنع منه فى ذلك العصر المشكاوات وتعد بحق فخر
عصر المماليك فى صناعة الزجاج ومن حسن الحظ أن أبقى الزمان على مجموعة كبيرة منها
محفوظة بالمتحف الاسلامى بالقاهـرة تعد أكبر وأنفس مجموعة من المشكاوات فى العالم
وهـذه المشكاوات مطلية بالمينا وعليها زخارف قوامها أشرطة تملؤهـا كتابات أو جامات
وفروع نباتية تقليدية ولكن بعضها تغطى سطحه بأكمله رسوم زهـور ونباتات شبيهة بما
يرى فى زخارف الديباج فتبدو كأنها ملفوفة فى زخارف فاخرة من الزهور والأوراق
النباتية ويرى منقوشا على بدن المشكاة وغيرهـا من التحف الخزفية والمعدنية رسوم
أشعرة أو ( رنوك ) تحمل شارات السلاطين والأمراء ورؤساء الجند فى دولتى المماليك
الذين صنعت لهم هـذه لهم هـذه التحف كالكأس والدواة والسيف والصولجان وقد وردت على
كثير من المشكاوات الآية القرآنية الكريمة : ( الله نور السماوات والأرض . مثل نوره
كمشكاة فيها مصباح . المصباح فى زجاجة . الزجاجة كأنها كوكب درى ) وأكثر اسماء
السلاطين ورودا على هـذه المشكاوات اسم السلطان حسن الذى جلب من مسجده أكبر عدد
منها ثم الناصر محمد بن قلاوون ثم السلطان برقوق والأشراف أبو النصر قايتباى ومن
الأمراء الأمير سلار والأمير ألماس وآق سنقر وطغيتمر وشيخو ومن بين هـذه المشكاوات
مشكاة وكرتها من زجاج بالميناء تظهر كأنها محاطة بشبكة من حبال مجدولة معقدة
بالتماثل نشأ منها جامات غير منتظمة تحتوى على زهـور أوراقها مختلفة الألوان من
أزرق وأخضر وأحمر والكرة والمشكاة هـما باسم السلطان حسن سنة 764هـ ( 1363م)
الـمنـسوجات :-
اضمحل نسج الكتان بمصر فى عصرى الأيوبيين
والمماليك وزادت العناية بنسج الحرير وتطريزه وبتزيين المنسوجات بالزخارف المطبوعة
المتنوعة التى تشبه الزخارف التى نراهـا على التحف الخزفية والمعدنية فى العصر نفسه
ومما تجب ملاحظته أن نسج الحرير فى عصر المماليك قد تأثر الى حد كبير بمنتجات الشرق
الأقصى التى أدخلها المغول فى العصر الاسلامى الى الأقطار الاسلامية اما عن طريق
التجارة أو عن طريق الهدايا فقد ذكرت المصادرة التاريخية أخبار بعثات تبودلت بين
المماليك والمغول تحمل الهدايا القيمة من المنسوجات النفيسة لذلك توجد قطع عليها
اسماء سلاطين المماليك ولكن يصعب الجزم بأنها من صناعة مصر أو عمال مصريين ومع
انحطاط المنسوجات الكتانية فى عصر المماليك وجد قليل منها مثال ذلك قطعة محفوظة
بالمتحف الاسلامى من القرن السابع الهجرى ( الثالث عشر الميلادى ) يبدو فى زخرفتها
ما امتاز به هـذا العصر من استعمال خط النسخ فى كتابة العبارات الدعائية مثل ( العز
الدائم والاقبال ) و( سيادة مؤبدة ونعمة مخلدة ) فضلا عن الاقبال على الزخارف
النباتية والأشكال الهندسية من مثلثات ودوائر ومعينات ورسوم القطعة المذكورة مطرزة
بالحرير الأسود والأزرق

العودة إلى القاهرة
فى عهد المماليك
|