عـلى بـك الـكـبـيـر :-

كان على بك مملوكا بيع فى سوق الرقيق
بالقسطنطينية ثم اشتراه ابراهـيم كتخدا أمراء المماليك فى مصر سنة 1157هـ (
1744-1745م) وامتاز بقوة الشخصية والطموح لذلك ظل يتغلب على منافسيه من المماليك
حتى وصل الى وظيفة شيخ البلد سنة 1763م وتلى وظيفة الوالى العثمانى فى الأهـمية
وانتهز فرصة اشتباك الدولة العثمانية فى حرب مع الروسيا سنة 1182هـ ( 1769م) فأعلن
استقلاله بمصر وأخذ على بك بعد ذلك فى تحقيق الأمنية التى كانت تكمن فى نفسه وهـى
تحقيق السلطنة المملوكية واستعادة مجد المماليك الغابر فأرسل سنة 1184هـ (
1770م)حملة كبيرة بقيادة محمد أبى الذهـب استولت على الحجاز وارسل فى سنة 1185هـ (
1771م) حملة أخرى بقيادة محمد أبى الذهـب أيضا للاستيلاء على الشام فدخل أبو الذهـب
دمشق وعادت الشام بذلك الى حكم مصر كما كان الحال فى عهد المماليك ولكن العثمانيين
الذين لم يكن لديهم من القوة مايقهرون به على بك كانت لديهم أسلحة أخرى لاتقل مضاء
عن السيف والمدفع تلك هـى أسلحة الدس والوقيعة التى انتصروا بها على الغورى فى مرج
دابق وعلى طومان باى فى الريدانية فأخذوا يستميلون اليهم ابا الذهـب ويمنونه بحكم
مصر وشق عصا الطاعة على سيده على بك فعاد ادراجه بجيشه الى مصر وهـزم على بك
واستولى على مصر ففر على بك الى الشام حيث أعد جيشا يستعيد به مصر ويحارب به ابا
الذهـب ولكنه هـزم عند الصالحية واخذ أسيرا الى القاهـرة حيث مات متأثرا بجراحه فى
صفر سنة 1187هـ ( مايو سنة 1773م) وبذلك رجعت مصر ثانية الى جبروت العثمانيين حكم
مصرمحمد أبو الذهـب نائبا عن السلطان العثمانى جزاء له على خيانتة لسيده على بك
ولكنه لم ينعم بحكمها أكثر من عامين توفى بعدهما ملوما مدحورا وخلفه على عرش مصر
ثلاثة من المماليك هـم البكوات : اسماعيل – وابراهـيم – ومراد- ولكن الأخيرين اتحدا
ضد الأول واستأثرا بالسلطة وصارا يتناوبان مشيخة البلد وامارة الحج وهـمـا السلطتان
الادارية والحربية فكان ابراهـيم عادة شيخ البلد ومراد بك أمير الحج وقائد الجيش
وظل الحال كذلك الى أن دهـمت الحملة الفرنسية فى يوليو سنة 1798 فانتهى حكم البكوات
المماليك نهـائيا من مصر وتقلص ظل الدولة العثمانية منها أيضا
لم يطرأ على القاهـرة فى العهد العثمانى أى
تغير أو تبديل فى تخطيطها ولم تتسع مساحتها أو تزدد رقعتها عما كانت عليه فى عهد
المماليك ولم تساير الزمن فى تقدمه بل ظلت طوال الاحتلال العثمانى جامدة صامدة
ولانغالى اذا قلنا انها رجعت القهقرى كما اراد لها سليم الأول وظلت تتلاشى تدريجيا
بسبب الفقر الذى خيم على البلاد وسوء حكم الباشوات وعبث البكوات المماليك وكثرة
ماكان يشتعل فى أنحاء القاهـرة من فتن وثورات يتخذ الثوار خلالها من المساجد حصونا
ومعاقل خصوصا مساجد أحمد بن طولون والسلطان حسن والمحمودية والماس ويطلقون قذائف
المدافع من الأسطح والمآذن فتصدعت جدرانها وأصابها كثير من التلف والدمار فتسبب عن
ذلك أن أقـفر حـى القلعة من سكانه وتحولت قصور الأغنياء فيها الى أحواش سكنها
الرعاع اذ هـجرهـا أصحابها الى حيـى بركة الفيل والأزبكية اللذين أصبحا المقرين
المفضلين لدى الأمراء والخاصة وظلت القاهـرة بحدودهـا القديمة المعروفة وكان باب
الحديد نهاية حدود مبانيها جهة الشمال الغربى والأزبكية وما حولها من مبان نهاية
العمران غربا – والطريق بينها وبين بولاق مقـفرة خالية من العمران لذلك كانت بولاق
تعد من ضواحى القاهـرة فى ذلك العهد كذلك كانت مصر القديمة أيضا بين الناصرية ومصر
القديمة مقـفرة من المساكن ليس بها الامزارع وحدائق ولم يكن على شاطىء النيل سوى
بعض مبان قليلة كقصر ابراهـيم بك ( قصر العينى ) تجاه الروضة وبجواره بيت لمحمد
كاشف الأرناوءطى وعن شماله بيت لمصطفى بك وكانت بولاق مرفأ القاهـرة فى الشمال
ومقرا للجمارك ومصر القديمة مرفأهـا فى الجنوب والأولى فرضة تجارة الوجه البحرى
والثانية فرضة تجارة الوجه القبلى وأطول شوارع القاهـرة هـو الموصل بين باب
الحسنيية وباب السيدة نفيسة ولم يكن بها سوى أربعة ميادين هـى : قرة ميدان تحت
القلعة وميدان الرملية المجاور لقرة ميدان ويفصلهما باب اسمه قره ميدان وميدان بركة
الفيل وميدان الأزبكية أو ميدان بركة الأزبكية لامتلائه بمياه النيل وقت الفيضان
فيصبح بركة يتنزه فيها الناس بالزوارق ليلا ونهارا وتوقد المصابيح فى البيوت المطلة
عليها فيكون المنظر بهـيجا ولاسيما فى الليالى المقمرة وقد وصف الشيخ حسن العطار
أحد أدباء ذلك العصر بركة الأزبكية فقال : ( وأما بركة الأزبكية فهى مساكن الأمراء
وموطن الرؤساء قد أحدقت بها البساتين الوافرة الظلال العديمة المثال فترى الخضرة فى
خلال تلك القصور المبيضة كثياب سندس خضر على أثواب من فضة يوقد بها كثير من السرج
والشموع فالأنس بها غير مقطوع ولاممنوع وجمالها يدخل القلب ويذهـل العقل حتى كأنه
من النشوة مخمور) ومن بين قصور الأمراء المشرفة على بركة الأزبكية قصر ( رضوان بك
الجلفى ) وقصر ( أحمد الشرابيى ) وكان أغـنى تجار القاهـرة اذ ذاك وقصر محمد بك
الألفى الذى أصبح فى عهد الحملة الفرنسية دارا للقيادة العامة للجيش الفرنسى ومسكنا
للقائد العام وفى حديقته قتل كليبر خليفة نابليون اذ قتله سليمان الحلبى بتحريض من
العثمانيين وكثرت بأحياء القاهـرة الأخرى الأبنية المتخربة اذ عفت الميادين والرحاب
والمنتزهـات ودرست قصور الخلفاء ةالسلاطين وما شيدوه من العمائر والمناظر والدواوين
والمدارس ودور الكتب وغيرهـا من معالم الحضارة والعمران ولم يقف الهدم والتخريب عند
هـذا الحد بل لقد ازدادا تـفاقما فى عهد الاحتلال الفرنسى كما سيأتى ذلم بشرح ذلك
فى موضعه وفى الجهة البحرية لبركة الأزبكية قام الحى القبطى وكان جزءا من خط المقس
وفى سنة 1799م نقلت اليه البطرياركية القبطية من حارة الروم بالدرب الأحمر وشيدت
الكنيسة المرقسية الكبرى وفى شرقى البركة كان يوجد حى الافرنج حيث أنشأوا مساكنهم
وأقاموا متاجرهـم وبنوا الفنادق لينزل فيها السائحون الأوربيون الذين يزورون
القاهـرة وفيه كانت توجد دور قناصل الدول ألأوربية وشرقى هـذا الحى كان يوجد حى
اليهود ويعرف بحارة اليهود وما يزال يوجد الى اليوم فى موضعه ويمتد جنوبى هـذين
الحيين شارع الموسكى وكان يصل بين بركة الأزبكية والخليج المصرى الكبير وقد سمى
كذلك لأنه كانت توجد فوق الخليج تجاه هـذا الشارع قنطرة شيدهـا عز الدين موسك احد
قواد صلاح الدين وكانت القاهـرة مقسمة الى أثمان وأخطاط وكان كل خط يحتوى على شوارع
وتنقسم الشوارع الى دروب وحارات وعطفات وأغلب الحارات والعطفات غير نافذة الا
الدروب فكانت المدينة أشبه شىء بعدة قرى مجتمعه والدروب والعطفات والحارات عليها (
بوابات ) وتغلق كل بوابة بعد العشاء وينام خلفها بواب يستأجره أهتل الحارة ولايتأخر
أحـد بعد العشاء عن الحضور الى بيته الا للضرورة وبالرغم مما أصاب القاهـرة من ركود
وما قصد بها شر وما حل بمبانيها ودورهـا من خراب ودمار فقد ظلت مختفظة بمكانتها
التاريخية اذ ما زالت تعتبر بالرغم من كل ذلك أعظم مدن الشرق قاطبة ومازالت بها
المساجد والمدارس وتزجر بالحمامات والخانات والتكايا والحوانيت والوكالات التى تجلب
اليها البضائع من مختلف الأقطار

العودة إلى القاهرة فى عهد العثمانيين
|