قــاهــرة صــلاح الــديــن

أدرك الوهـن دولة الفاطميين فى أواخر أيامها
منذ عهد الشدة العظمى فى عهد الخليفة المستنصر أى منذ سنة 450هـ ( 1058م) ودب الضعف
فى أوصالها فترنحت وهـوت سنة 567هـ ( 1171م) وقامت على أنقاضها الدولة الأيوبية
التى شيدها صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قدوم صلاح الدين الى مصر بصحبة عمه أسد
الدين شيركوه سنة560هـ ( 1164م) حضرا تلبية لاستغاثة الوزير شاور أحد وزراء العاضد
آخر الخلفاء الفاطميين وكان شاور فى نزاع مع ضرغام أبى الأشبال أحد أمراء البرقية
الذى ظل يترقى حتى صار صاحب الباب ولم يستطيع أحمدهما التغلب على عدوه الا
بالاستعانة بقوة خارجية وفى هـذا ما يدلك على مبلغ ا نحطاط الوطنية ةالأخلاق عند
وزراء ذلك العهد الذين بلغ عددهـم أربعين وزيرا فى مدة تسع سنوات فاستعان ضرغام
بالصلبيين وهـم جماعة من مسيحيى أوربا استولوا على بيت المقدس سنة 492هـ( 1099م)
وأنشأوا لهـم امارات على طول ساحل الشام وكانوا يتمنون لو استطال ملكهم فشمل مصر
أيضا لذلك رحبوا بدعوة ضرغام لهم لمناصرته على شاور وسارعوا الى الزحف على مصر
ليحققوا الأمل الذى داعب خيالهم أما شاور فقد استعان بنور الدين محمود بن زنكى صاحب
حلب وقد أدرك هـذا مبلغ الصلبييون من قوة ان هـم استولوا على مصر لذلك سارع
هـوالاخر الى تلبية نداء شاور عندما استغاث به ضرغام الذى كان قد هـزم شاور فهرب
الأخير الى الشام يطلب العون من نور الدين وقد استمرت مصر ردحا من الزمان ميدانا
للتنافس بين نور الدين والصلبيين يرسل كل منهما جيشه اليها فيتحاربون ثم يغادرون
البلاد بشروط يشترطها كل فريق مع حليفه من الوزيرين ثم يعودون اليها وهـكذا وانتهى
الآمر بقتل كل من ضرغام وشاور وخلصت مصر لأسد الدين شيركوه وحل فى الوزارة محل شاور
ولكن لم يلبث أن عاجلة الموت بعد شهرين من توليه أمرها فخلفه صلاح الدين وحل محله
فى الوزارة فى جمادى الآخر سنة 564هـ ( مارس سنة 1169م)ولم يكن صلاح الدين ليغبط
على مركزه اذ كان فى الواقع مركزا شاذا تحفه كثير من الصعاب فبينما كان وزيرا
للعاضد الشيعى كان فى نفس الوقت نائبا عن نور الدين محمود السنى هـذا بالاضافة الى
قيام الفتن والثورات التى كان يشعل نارها الحاقدون عليه من شيعة ومغاربة وسودانيين
ولكن صلاح الدين وقد حالفه الحظ ولازمه التوفيق وبما وهبه الله من سعة الحيلة وبعد
النظر ذلل جميع ما اعترضه من عقبات فتوفى العاضد سنة 569هـ ( 1171-1172م) ثم أعقبه
نور الدين محمود فتوفى سنة 569هـ ( 1173-1174م) فخلا له الجووخلص له ملك مصر وصار
صاحب الحول والطول فيها بلا منازع وقضى على الشيعة وشتت شملهم وأخذ فى احلال
المذهـب السنى محل المذهـب الشيعى مستعينا فى ذلك بأهله وأقاربه ورجال دولته وبعد
أن استتب له الأمر فى مصر وثبتت أقدامه أخذ يعد العدة للقضاء على الصلبيين وتوجية
ضربة قاصمة لهم تزلزل أقدامهم وتهد كيانهم وقد أتيح له ذلك فى موقعة حطين الحاسمة (
25ربيع الثانى 583/5 يوليو سنة 1187) حيث أنزل بالصلبيين هـزيمة ساحقة وانتزع منهم
بعد ذلك بيت المقدس ثم أجلاهم عن بقية مدن الشام وفلسطين ولم يبق فى أيديهم سوى بعض
المدن الساحلية الصغيرة وأهمها صور وبذلك صار جلاؤهـم عن بلاد الشرق جلاء نهائيا
أمرا محتوما والواقع أنه لم يتفق لملك من ملوك الشرق أو زعيم من زعمائه ما اتفق
لصلاح الدين من بطولة وشجاعة وشدة بأس وعلو همة وبعد نظر وثاقب رأى وصفاء نفس
واستمساك بالعدل والانصاف والرحمة بالناس غير مفرق بين عدو وصديق أو بين مسلم
ومسيحى مماشهد به الأعداء قبل الأصدقاء وأجمع عليه المؤرخون بالرغم من تباين
أجناسهم واختلاف نحلهم ونزعاتهم هـذا الى تفقه فى الدين ورسوخ كعب فى الأدب ومصاحبة
للعلماء ةالأدباء وبعد حياة حافلة الأعمال توفى صلاح الدين الى رحمة الله ورضوانه
فى 27من صفر سنة 589(4مارس 1193) بعد أن أصيب بالحمى الصفراء التى لم ينقذه منها
علاج ودفن فى دمشق ومع انه كان صاحب الكلمة النافذة فى ادارة شئون البلاد وليس من
ينازعه فى أى أمر من أمورهـا أو يراجعه فى أى شأن من شئونها فقد مات ولم يخلف فى
خزائنه من الذهـب والفضة الا سبعة وأربعين درهما ناصرية ودينارا واحد ذهـبا صوريا
كما ذكر ابن شداد ولم يخلف ملكا ولادارا ولا عقارا ولابستانا ولامزرعة وقال ابن
شداد أيضا يصف وقع موت صلاح الدين فى نفوس الناس : ( وكان يوم موته يوما لم يصب
الاسلام والمسلمون بمثله بعد فقد الخلفاء الراشدين – رضى الله عنهم – وغشى القلعة
والمـلك والدنيا وحشة لايعلمها الا الله تعالى وقد علمت من نفسى ومن غيرى انه قـبـل
الفداء لفدى بالأنفس ) ألا رحم الله صلاح الدين رحمة واسعة وأنزله منازل المجاهـدين
المكافحين والأبـرار والصديقين الذين رفعوا لواء الاسلام عاليا وذادوا عن حياضه
واستماتوا فى الدفاع عنه حتى النفس الأخير
الـقـاهـرة فى عهـد صـلاح الـدين :
رأينا فى المقدمة ماكانت تعنى به أية دولة
عند بدء قيامها انشاء عاصمة جديدة لها تتفق ومكانتها وتجتمع فيها مقومات عظمتها
وتفتـتح بها صفحة جديدة فى تاريخها ولما كان صلاح الدين يدين بالمذهـب السنى وينقم
على المذهـب الشيعى فقد آل على نفسه أن يطمس آثار الفاطميين وألا يترك سبيلا لاحياء
ذكراهـم واستعادة سلطانهم لذلك فانه لم يبق على قصورهـم وما احتوت عليه من تحف
وطرائف فأسكنها أتباعه وحاشيته وضباط جيشه وأقاربه وأهمل مدينتهم التى التصقت بها
ذكراهـم وارتبطت بمنشآتها شهرتهم وعول منذ اللحظة الأولى على يدمج القـاهـرة
والعواصم التى سبقتها بعضها فى بعض ويوحـد بينها فيحيطها جميعا بسور عظيم لتصبح
حاضرة دولته وعاصمة امبراطوريته على أن يشيد له فوق رابية المقطم قلعة حصينة
لاقامته ولتشرف على تلك العاصمة الموحدة تحمى ذمارها وتدفع عنها غارة العدو
المهاجـم وأى عدو لمصر فى ذلك الحين غير الصلبيين الذين أجلاهـم عن أرضها بعد أن
كادت تقع لقمة سائغة فى حلوقهـم والواقع أن صلاح الدين هـو الذى وضع أساس القـاهـرة
الحالية بعد ان وحـد بين العواصم الأربع القديمة وهـو الذى مهـد لها كى تصبح أكبر
مدينة فى الشرق جديرة بما لمصر من مركز الصدارة بين دول العالم الاسلامى ودول الشرق
الأوسط ورسم طريق تقدمها فى مستقبلها العظيم الذى كان ينتظرها فى العهود التالية
وفى العصر الحديث وبعد ان كانت قاهـرة الفاطميين مقصورة على سكنى الخلفاء وحاشيتهم
فقـد شجع صلاح الدين أفراد الشعب على سكنى القـاهـرة واقامة المنازل فيها فنقلوا
الأنقاض من مدينة مصر { الفسطاط} التى تخلفت عن حـريق شاور فى 30ربيع الأول سنة
564هـ (أول يناير سنة 1169م) ذلك الحريق الذى استمر 54يوما واستعملوا الأنقاض فى
تشييد مبانهم ولما كان صلاح الدين دائم التنقل بين القاهـرة والشام للاشراف على
أعماله الحربية ضد الصلبيين فقد وكل الى وزيره ( أبو سعيد قراقوش ابن عبد الله
الأسدى الملقب ببهاء الدين ) انقاذ خططه والاشراف على أعمال البناء فأنقذ تلك الخطط
بكل نشاط واحكام ومن هـنا جاءت شهرته بالصرامة وعـلـق باسمه الاستبداد فلقبـه الناس
بقراقوش ومعناها الطائر الأسود { العقاب } عنوانا على الصرامة والاستبداد وشبهوا
كتابا عن بهاء الدين عنوانه ( الفاشوش فى أحكام قراقوش ) ضمنه كثيرا من الأمور التى
يبعد وقوعها منه ولم يمتد أجل صلاح الدين ليتم جميع أعماله الانشائية فأتمها خلفاؤه
من بعده وعلى الرغم من أنه لم يقم طويلا فى القـاهـرة الا أن أحدا ممن سبقوه من
الحكام لم يترك فيها مثلما ترك من آثار
مـنشأت صـلاح الـديـن :-
الســور:- كانت نفقات حروب صلاح الدين تستنفد
جانبا كبيرا من ميزانية الدولة لذلك رأى توفيرا للنفقات الكثيرة التى يستلزمها بناء
سور جديد أن يمد سور بدرالجمالى من شماليه ويتجه به غربا حتى شاطىء النيل الشرقى
حيث أقيم حصن المقس المنيع كذلك رأى أن يمده جنوبا حتى باب الوزير بالقرب من سور
القلعة الجديد ثم هـو يتمم هـذا السور بمده جنوبا ليحيط بمدينة مصر { الفسطاط } حتى
يلتقى بالنيل ثانية جنوبى الفسطاط ولم يكتمل بناء السور فى أثناء حياة صلاح الدين
وانما أتمه خلفاؤه من بعده وكل ماتم منه فى عهـده مايأتى
1-السور الشمالى :-
ميتدىء من غرب باب الفتوح ويسير غربا ثم الى الجنوب الغربى ثم يتجه الى الغرب ثانية
ويسير باطراد ماعدا قطع واحد بالقرب من شارع الخليج المصرى { شارع بورسعيدحاليا }
وبعد ذلك يمكن للانسان أن يتتبعه وهـو يسير خلف سكة الفجالة وشارع الطلبة حتى ميدان
المحطة مصر { ميدان رمسيس الآن } حيث تجد بقايا منه على طول هـذا الاتجاه الذى
ينتهى بقلعة المقس وقد زالت ولم يبق لها أثر اليوم وكان قد شيد بجوارها جامع المقس
الذى يعرف اليوم بجامع أولاد عنان
2-الجزء من السور
الشرقى :- ويمتد من باب النصر فدرب المحروق حتى باب الوزير بالقرب من سور القلعة
الجديد ويوجد فى هـذا الجزء برج الظفر وعند وفاة صلاح الدين لم يكن بدىء فى بناء
السورين الجنوبى والغربى كما لم يكن السور الشرقى قد اتصل بعد بباب الوزير ومما
تجدر الاشارة اليه أن هـذا السور بنى من الأحجار بخلاف سور جوهـر الذى بنى من اللبن
كذلك يمتاز سور صلاح الدين بوجود الأبراج الدائرية الخالية من الحجرات الداخلية
والمنافذ والفتحات ولايزال ممكنا تتبع أجزاء من هـذا السور بين المنازل القديمة أو
خلال تلال المقطم
الــقــلعــة:-
وقد شرع صلاح الدين فى نفس الوقت الذى كان
يبنى فيه السور فى تشييد القلعة فوق جبل المقطم فى موضع كان يعرف بقبة الهـواء قيل
ان حاتم بن هـرثمة هـو أول من بناهـا ثم صار موضعها مقبرة فيها عدة مساجد ولم يعرف
أن صلاح الدين سكنها لأنه توفى قبل اتمام مبانيها وانما تمت فى عهد الملك الكامل
محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب فكان أول من سكنها واتخذهـا دار الملك فى اليار
المصرية واستمرت كذلك فى جميع العهود التالية حتى عهد محمدعلى وبعض خلفائه من بعده
وقد هـدم صلاح الدين بعض الأهـرام الصغيرة فى الجيزة واستعمل أحجارهـا فى بناء
القلعة والسور واستخدم كثيرا من أسرى الفرنجة فى أعمال النحت والبناء وقد قيل فى
سبب بناء القلعة أن صلاح الدين أراد أن يحتمى بها من الفاطميين وأشياعهم ولكن
المعقول أن يكون قد قصد بنائها تحصين البلاد ضد عدو أشد خطرا ألا وهـو الصليبيون
وقد شاهـد فى أثناء تجواله فى سوريا أن لكثير من البلاد فيها قلاعا حصينة تحميها
فلم ير بدا وهـو بصدد تحصين القـاهـرة بسور عظيم أن يزيد فى مناعتها ويضاعف من
قوتها باقامة قلعة حصينة فوق جبل المقطم وأسوة بمدن سوريا التى شاهـدهـا من قبل
وأعجب بقلاعها وحصونها وقد بلغ طول هـذا السور حسب تقدير المقريزى 29302ذراعا
هـاشميا وقد بدىء فى بناء القلعة سنة 572هـ ( 1176م) وتمت فى عهد الملك الكامل سنة
614هـ ( 1207-1208م) وفى الضلع الغربى للقلعة يوجد الباب المدرج وفوقه كتابة
تاريخية كتبت بعد البدء فى انشاء القلعة بست سنوات ولايزال موجود حتى اليوم وهـذا
نصها ( بسم الله الرحمن الرحيم ، أمر بانشاء هـذه القلعة الباهـرة المحاورة لمحروسة
القـاهـرة التى جمعت نفعا وتحسينا وسعة على من التجأ الى ظل ملكه وتحصينا مولانا
الملك الناصر صلاح الدينا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محيى دولة أمير المؤمنين
فى نظر أخيه وولى عهده الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد خليل أمير المؤمنين على
يد أمير مملكته ومعين دولته قراقوش ابن عبد الله الملكى الناصرى فى سنة تسع وسبعين
وخمسمائة ) ويقابل هـذه السنة سنة 1183-1184م)
الـقـلـعة بعـد صلاح الدين :-
ولم يبق من منشأت صلاح الدين بالقلعة سوى بعض
أجزاء السور والأبواب ذلك لأنه أدخلت عليها كثير من التغييرات والاضافات فى العصور
التالية : فقد أنشأ الكامل قصورا وزاد فى مساحتها وأحاط الزيادة بسور أقل حجما من
سورها الأول كما أنشأ الظاهـر بيبرس برجا كبيرا وطباقا للماليك وقصرا فخما لوالده
الملك السعيد وأنشا الأشـراف خليل بن قلاوون مقعدا فخما شاهقا يطل على الجيزة
والنيل وأنشأ الناصر محمد بن قلاوون برجا مربعا كبيرا لايزال باقيا الى الآن بالقرب
من الناحية البحرية الشرقية أسفل جامع محمد على كما بنى قصره المعروف بالقصر
الأبلق الذى لاتزال توجد بقية منه أنشأ أيضا مسجدا وأنشأ الناصر حسن بن محمد قصره
المسمى بالبيسرية سنة 1160هـ ( 1359-1360م) وقيل انه جعل شبابيك من الذهـب وفى سنة
791هـ ( 1388-1389م) جدد السلطان الظاهـر برقوق سور القلعة وقد شيد السلطان الغورى
ايوانا كبيرا جمع كثيرا من بدائع الفن وحوالى سنة 1160هـ ( 1747م) أنشأ الأمير
رضوان كتخدا الجلفى باب العزب المشرف على ميدان صلاح الدين وقد أصلح محمد على جانبا
كبيرا من سورها وأبراجها وأبوابها وأنشأ الجامع وسراى الجوهـرة ةالعدل ودار الضرب
ودار المحفوظات المقابلة للباب الجديد الذى أنشأه سنة 1241هـ ( 1825م)
بـئـر يـوسـف الـحـلـزونـى:-
وحفرصلاح الدين فى القلعة بئرا يستقى منها
الجيش وسكان القلعة اذا منع الماء عند حصارهـا وهـى من أعجب ماتم من أعمال فى عهد
صلاح الدين اذ أنها محفورة فى الصخر على عمق 90مترا تقريبا من مستوى أرض القلعة
ولايخفى مايتطلبه هـذا العمل من جهد وتتركب هـذه البئر من طابقين لكل منهما ساقية
ترفع المياة منها بواسطة الدواب التى خصص لها منحدر لتسهيل النزول والصعود وقد فتحت
بجانبه فتحات لايصال النور الى هـذا الممر ولاتزال توجد السواقى بمعداتها أسفل
البئر حتى الآن

عودة إلى التطور التاريخى للقاهرة
|